حوارات كافكا مع ثعلب المتاهة (8)

حوارات كافكا مع ثعلب المتاهة (8)

القانون، الحدود، والهوية

هواجس كافكا: الجدار الذي لا ينتهي والوطن الهارب

عاش فرانتز كافكا حياته كإنسان “على الحافة”؛ يهودياً يتحدث الألمانية في مدينة براغ التشيكية، لم ينتمِ تماماً لأي طرف، وظلت هويته ممزقة بين لغته وعرقه وجغرافيته. في قصته “بناء سور الصين العظيم” (Beim Bau der Chinesischen Mauer)، يصف كافكا بناءً جباراً يُشيّد في أجزاء متفرقة، بناءً قد لا يكتمل أبداً، والهدف منه ليس الحماية من “البرابرة” (الذين قد لا يوجَدون أصلاً)، بل خلق حالة من الوهم الجماعي بالسيادة والأمن. السور عند كافكا ليس جداراً حجرياً بقدر ما هو بناء بيروقراطي ونفسي؛ إنه القانون الذي يرسم الحدود بين “نحن” و”هم”، بين من يحق له البقاء ومن يجب نبذه. إنَّ مأساة الإنسان الكافكاوي تكمن في أنه يقضي حياته في البحث عن “مركز” أو “وطن”، ليكتشف أن المركز غائب، وأن الوطن مجرد تصريح عبور تملكه سلطة غامضة ومتقلبة.

في واقعنا الدولي الراهن، تحول هذا الهوس الكافكاوي بالحدود إلى ديستوبيا سياسية شاملة. لم تعد الحدود مجرد خطوط على الخريطة، بل تحولت إلى أجهزة سيميائية معقدة؛ جدران ذكية، أسلاك شائكة رقمية، وأنظمة مراقبة حيوية (Biometric) تُعرّف الإنسان لا بكرامته، بل بمدى مطابقت هويته لـ “معايير المرور”. إنَّ أزمة فلسطين اليوم هي التجسيد الأقصى والأنقى لهذا العبث الكافكاوي؛ حيث يُحاصر شعب كامل خلف جدران حقيقية وبيروقراطية، ويُطلب منه إثبات هويته وانتمائه لأرضه عبر “تصاريح” تمنحها سلطة الاحتلال التي هي في جوهرها “قلعة” لا تعترف بوجوده. في فلسطين، يصبح القانون أداة للهدم وليس للبناء، وتتحول الحدود إلى فخاخ متحركة، حيث “البيت” قد يصبح “خارج القانون” بقرار إداري غامض يصدر في منتصف الليل.

الثعلب يسخر من “السيادة”: الهوية كـوسم إقصائي

بينما يحاول كافكا فهم كيف يمكن لجدار غير مكتمل أن يحكم مصير إمبراطورية، يظهر الثعلب قافزاً فوق الأسلاك الشائكة الافتراضية، وعيناه تلمعان بسخرية حادة تجاه مفاهيم “الدولة” و”القومية”.

قال الثعلب بصوت يملؤه المكر: “يا فرانتز، لقد كنتَ تظن أن الجدران تُبنى لإبقاء الآخرين في الخارج، لكن الحقيقة أنها تُبنى لـ سجن من هم بالداخل في وهم الهوية. انظر إلى صعود القوميات الجديدة في أوروبا وأمريكا؛ إنهم يعيدون بناء ‘سور الصين’ الخاص بك في كل خطاب سياسي. إنهم يُقنعون الناس بأن هويتهم مهددة، وأن القانون يجب أن يتحول إلى سيف يقطع أواصر الإنسانية. الهوية اليوم، يا صديقي، لم تعد شعوراً بالانتماء، بل أصبحت ‘وسماً رقمياً’ يُستخدم لتحديد من يستحق الموت غرقاً في البحر المتوسط ومن يستحق طائرة خاصة.”

ويُضيف الثعلب مشيراً إلى جدار الفصل العنصري: “العبث الكافكاوي في أبهى صوره يتجلى عندما يصبح الضحية مُطالباً بإثبات براءته من وجوده ذاته. في مناطق النزاع، الحدود ليست ثابتة؛ إنها تتمدد وتتقلص لتلتهم القرى والذكريات. القانون الدولي هنا هو ذلك ‘الحارس’ الذي يقف أمام الباب في قصتك؛ يبتسم، يوزع الوعود، يتحدث عن ‘حل الدولتين’ أو ‘حقوق الإنسان’، لكنه لا يفتح الباب أبداً، ويترك ‘رجل الريف’ (الشعوب المضطهدة) يموت في طابور الانتظار الطويل. السيادة اليوم يا فرانتز ليست حكماً ذاتياً، بل هي القدرة على استغلال القانون لإخفاء الجريمة خلف الضباب الإجرائي.

إنَّ الربط بين نصوص كافكا والواقع المعاصر يكشف أن القومية المتطرفة هي “المسخ” الجديد؛ فهي تُحول المواطن إلى “حشرة” تدافع عن جحرها بشراسة، وتفقد القدرة على رؤية الإنسانية خلف الجدار. الحدود اليوم صارت “صناعة” تدر المليارات على شركات الأمن والتكنولوجيا، مما يجعل بقاء “المتاهة” مصلحة اقتصادية عليا. الهوية لم تعد ملاذاً، بل صارت ساحة معركة يتم فيها التلاعب بالخوف لإدامة سلطة “القلاع” السياسية.

المصير المجهول: العيش في “اللا-مكان” القانوني

تنتهي هواجس كافكا دائماً بالوصول إلى طريق مسدود، حيث القانون والحدود يُفصلان الإنسان عن ذاته. وهذا هو حال الملايين اليوم في مناطق “النزاع الحدودي” أو في “مخيمات اللجوء”؛ إنهم يعيشون في “اللا-مكان”، في حالة من التعليق القانوني حيث لا هم مواطنون ولا هم أجانب، بل مجرد “أشباح بيروقراطية” في انتظار قرار لن يأتي.

إنَّ القلق الذي يطرحه الثعلب هو: ماذا لو كان الجدار هو الحقيقة الوحيدة، وما وراءه مجرد فراغ؟ ماذا لو كانت هوياتنا التي ندافع عنها ليست سوى “قصص” اخترعتها القلعة لتبقينا منشغلين بالصراع مع جيراننا بينما هي تلتهم مستقبلنا المشترك؟

يختفي الثعلب في الضباب الكثيف الذي يحيط بنقطة تفتيش وهمية، تاركاً خلفه السؤال الثقيل: “إذا كانت الحدود قد رُسمت في عقولنا قبل أن تُبنى على الأرض، فهل يمكن للقانون أن يحررنا يوماً، أم أن القانون هو نفسه ‘الأسلاك الشائكة’ التي تُقيّد خيالنا؟ وهل الهوية هي ما نملكه، أم هي ما يُستخدم ضدنا لإبقائنا داخل المتاهة للأبد؟”

من صراع الأرض والحدود، ننتقل في الحلقة القادمة إلى الحدود الجديدة التي لا تُرى؛ حدود البيانات والتحكم الرقمي. تابعوا: “الأبراج الزجاجية: كافكا في وادي السيليكون”

Leave a Reply

Your email address will not be published.