أمريكا: الحلم المبتور
كارل روسمان في بلاد السيف المسلول
في رواية كافكا “أمريكا” (Amerika)، أو “المفقود”، يبدأ الشاب “كارل روسمان” رحلته نحو العالم الجديد مدفوعاً بنفيٍ قسري من والديه، باحثاً عن فرصة للتكفير عن “ذنب” لم يقصده. الافتتاحية الكافكاوية هنا مذهلة في تنبئها؛ فعندما يقترب كارل من نيويورك، لا يرى تمثال الحرية يحمل مشعلاً يضيء الطريق، بل يراه يحمل “سيفاً مسلولاً”. هذا التبديل الرمزي الصغير هو مفتاح فهم الرؤية الكافكاوية لأمريكا؛ إنها ليست أرض الحرية، بل هي أرض الحسم القاسي، والعدالة الصارمة، والآلة الاقتصادية التي لا ترحم الغرباء. يقضي كارل وقته متنقلاً من وظيفة إلى أخرى، من فندق عملاق يغص بالخدم والمصاعد إلى “مسرح أوكلاهوما الطبيعي” الذي يَعِدُ بالتوظيف للجميع، ليكتشف في النهاية أن “الحلم” ليس سوى سلسلة من التبعيات والديون ومحاولات الهروب من ماضٍ لا يتركه، ومستقبل لا يملكه.
اليوم، يبدو “الحلم الأمريكي” المبتور تجسيداً عالمياً لـ النيوليبرالية المتوحشة. لم تعد أمريكا مجرد جغرافيا، بل أصبحت “نموذجاً اقتصادياً” يحكم العالم بوعود الرفاهية، بينما يغرق الأفراد في ديون الدراسة، وتكاليف العلاج، وهشاشة العمل. إنَّ المهاجر المعاصر الذي يقطع آلاف الكيلومترات ليصل إلى “أرض الميعاد” يجد نفسه أمام “تمثال الحرية ذي السيف”؛ يجد نظاماً قانونياً يُصنّفه كـ “مفقود” أو “غير قانوني”، ويجد اقتصاداً يعامله كـ “ترس مؤقت” في ماكينة الاستهلاك. أمريكا كافكا هي النسخة الأصلية لما نسميه اليوم “اقتصاد المنصات” (Gig Economy)، حيث الجميع “موظفون” ظاهرياً، لكن لا أحد يملك أماناً أو جذوراً.
الثعلب يسخر من “المسرح الكبير”: التوظيف كـ فخ
بينما يراقب كافكا “كارل” وهو يحاول إثبات جدارته في مكتب عمه الثري أو في مطبخ الفندق، يظهر الثعلب متكئاً على ناطحة سحاب زجاجية، يراقب حشود المهاجرين والعمال تحت أشعة شمس نيويورك الحارقة.
قال الثعلب ضاحكاً: “يا فرانتز، لقد كان كارل يبحث عن ‘العدالة’ في بلاد صُممت لكي تبيع ‘الوهم’. انظر إلى ‘مسرح أوكلاهوما الطبيعي’ الذي كتبتَ عنه؛ أليس هو النموذج الأولي لـ شركات التكنولوجيا الكبرى اليوم؟ تلك التي ترفع شعارات ‘نحن نوظف الجميع’ و’نجعل العالم مكاناً أفضل’، بينما هي في الحقيقة تجمع بياناتك، وتُحوّلك إلى رقم في خوارزميتها، ثم تطردك عندما يقلّ مردودك بضغطة زر. الحلم الأمريكي اليوم ليس ‘فرصة’، بل هو ‘مسابقة إقصاء’ مستمرة.“
ويُحلل الثعلب المشهد الجيوسياسي بذكاء: “هذا الحلم لم يعد محصوراً في أمريكا؛ لقد أصبح ‘قالب القلعة العالمي’. كل العواصم اليوم تحاول تقليد هذا النموذج: الأبراج الزجاجية، الأسواق المفتوحة، وتجاهل الأنين القادم من ضواحي الفقر. العبث هنا هو أننا نُطالب المهاجر بأن يحترم ‘القانون’ في بلاد قامت على ‘إزاحة القانون’ من أجل التوسع. إنَّ العنصرية الهيكلية التي واجهها كارل في رحلته هي ذاتها التي يواجهها المهاجر اليوم؛ هي ليست مجرد كراهية، بل هي ‘أداة بيروقراطية’ تُستخدم لإبقاء قوة العمل رخيصة ومذعورة ومحاصرة في المتاهة.”
إنَّ التحول من “المشعل” إلى “السيف” هو تجسيد لسياسة “الحدود المسلحة” والحروب الاقتصادية. فالولايات المتحدة، التي كانت رمزاً للانفتاح، أصبحت اليوم تدير العالم عبر العقوبات المالية والجدران الفولاذية. الحلم الأمريكي صار كابوساً كافكاوياً لأن “البداية الجديدة” التي يَعِدُ بها تتطلب “محو الذات” بالكامل؛ يجب أن تتحول إلى “مفقود” لكي تُقبل في ماكينة الإنتاج.
المصير المجهول: الهروب إلى “اللا-مكان”
تنتهي رواية كافكا (غير المكتملة) بقطار يحمل كارل روسمان نحو الغرب، نحو “مسرح أوكلاهوما”. إنه هروب نحو مجهول أكبر، حيث الوعد بالحرية هو مجرد تأجيل للمواجهة النهائية مع الذات والسيستم.
وهذا هو حال الإنسان المعاصر في ظل العولمة؛ نحن جميعاً “كارل روسمان”. نهاجر من بلداننا المحطمة (سواء هجرة جسدية أو هجرة رقمية نحو العوالم الافتراضية) بحثاً عن “القلعة الأمريكية” التي تَعِدُ بالنجاح. لكننا نكتشف أننا دخلنا متاهة بلا مخرج، حيث النجاح هو مجرد “استبدال سيد قديم بسيد جديد” (من الوالد إلى العم، ومن العم إلى مدير الفندق، ومن المدير إلى الخوارزمية).
يختفي الثعلب خلف إعلان ضخم لشركة تكنولوجية، تاركاً خلفه السؤال المُرّ: “إذا كان الحلم الأمريكي قد بُتر من جذوره وتحول إلى سيف، فهل نواصل السعي نحو ‘أوكلاهوما’ التي لا وجود لها؟ وهل العبث هو في فشلنا في الوصول، أم في حقيقة أننا نصل فنجد أنفسنا مجرد ‘كومبارس’ في مسرح كبير لا يملك مخرجاً ولا يوزع أدواراً حقيقية؟”
من الحلم الجغرافي المبتور، ننتقل في الحلقة القادمة إلى الصراع على الأرض والهوية. تابعوا: “القانون، الحدود، والهوية”…

Leave a Reply