الحلقة الرابعة: الهُوِيَّة في جغرافيَا الورق
رسالة غير مرسلة بين سطرين
هجع الثعلب إلى مرابض الفكر الورقي، ومكتبة حيث يقلب إيكو بين معاني الفقرات، كمن يقلب في الزمن، يراه من بعيد كمن يحس بأن شيئا ذاتيا يذوب في شيء من التساؤل، فقرر أن يتسائل: سيد إيكو أريد بصياغتك الفريدة، وفهمك الغميس، هل نحن حقا نكتب لأنفسنا أو نكتب أنفسنا؟ وهل حين نقرأ نحن نفكك المعاني قطعة قطعة؟ وهل الحبر في نظركم مرآة وأنت القائل “حين أكتب فإني أكتب بسرعة دماغي”؟ هل كل كتاب يحاول أن يصيغ لنا هوية أخرى، أدق وأعمق…
رد أمبرطو إيكو على هذا الانبجار من الأسئلة: هي أسئلة تبدو للوهلة الأولى متداخلة ومتشابكة، لكنها في حقيقتها ترمي إلى جوهر واحد، بمعنى آخر الكتاب لا يصوغ هويتك بل يكشف هشاشتها، فكل قراءة هي أشبه بإعادة اختراع للذوات، فلا هوية ثابتة لمن يقرأ. أنت وأنا والآخر والآخرون نصبح جميعا هم “النص”، بعبارة أخرى، أنت تصبح النص، لا قارئه فقط. حينما نفتح سِفرا، كتابا، وثيقة، صفحة، فأنت حين تفتح الكتاب، فإنه يفتحك. تتبدى الحدود بين طيات الكتاب، وتتبدد الحدود بين القارىء والمقروء، بين السؤال والجواب، تصبح جوَّابا وأوَّابا، بين ترحال بحث عن الجواب، وبين أوبة حين نجد ضالتنا بين سطور الجواب. نحن بين هذه الحدود المرسومة، نذهب ونجي، بين “أنت” و “هو”.
ثعلب السيمياء معترفا لكن الأسئلة لديه لا تنتهي: وهل يجوز إذن المقال بأن القارىء الحقيقي أو “القارىء في الحكاية” بصيغتك الشهيرة، لا يعود كما كان، هل كل قراءة هي هجرة بما أنك حكيت عن “أنت” و “هو” والتسفار إلى حذو حدود الآخر، وأن الهوية ليست ما نحمله، بل ما نخسره في رحلة بين الكلمات؟
إيكو يرد بكل روية بعد استماعه باهتمام لما بَدَر منه من أسئلة:
أجل، والذين هم وَجِلون من ضياع هويتهم في الكتب، لا يعرفون أن الهوية الحقيقة تُولد من التيه والضياع، ومحاولة البحث عنها وإيجادها من جديد.
انتهى الحوار الشائق واعدا بلقاء حامي الوطيس في المرة المقبلة، بين ثنايا أقسام المكتبة، والثعلب يدون كلما تلقاه في هوامش دفتره، بينما إيكو يعود إلى طقوسه القرائية المعتادة بين أكناف المكتبة…
(يتبع)

Leave a Reply