الثعلب الذي حلم بالمشي على قدمين (2/5)
الجزء الثاني: مسار الأجداد
في اليوم التالي، استيقظ الثعلب بتصميم تتملكه الغرابة، وكان يسمع حينها حفيف الأشجار وتحليق الطيور في الأعالي كأنها تلاعب السحب، فيما داعبت أنفه الثعلبي نسائم لطيفة تحمل معها روائح الغاب المألوف منها والغريب، ولكن بدا لأول وهلة أن كل شيء بدا مختلفا وغرائبيا بالنسبة له. شعر في هذه اللحظة أن العالم يهمس له بأسرار لم يكن على علم بها من قبل، حيث كان يعلم تمام العلم أن التحول إلى إنسان هي أمنية لن تتحقق بمجرد النوم تحت لحاف النجوم، أو في أوكار الغاب، أو بطلب فاخر من الأفيال حراس الغابات، بل هي رحلة عليه فيها أن يتصرف ويستكشف وقبل كل شيء ربما، أن يبحث عن إجابات.
تذكر في تينك اللحظة أن الأساطير المروية والمحكيات القديمة التليدة التي أخبرته بها جدته ووالدته في صغره اللعوب، فقد أخبروه حينها في قصص الثعالب القديمة والأسطورية أنها وجدت طرقا لتحويل نفسها إلى مخلوقات أخرى، وهو أيضا تشبع بهذه الفكرة رغم غرائبيتها، حيث يذكر أن الثعالب يجب أن تسير في مسير الأجداد والأسلاف، وهو طريق مقدس ومدروس، يبدأ من عروج عبر الغابة وما ما وراء التلال، إلى أماكن تواجد البشر والرجال.
قرر الثعلب في هذه اللحظة دون أدنى تردد ترك جحره عند ظهور قرص الشمس في لحظة الشروق، وشرغ في السعي حثيثا نحو هذا الحلم المجهول الذي تأمل أن يسير حقيقة. مر من حواف الأنهار وتسلق الصخور وغامر في الأماكن الفسيحة حيث تهمس الرياح، وسار وسار طويلا، كأنه يبحث عن تعويذة قديمة أو مخلوق غير عادي يحمل أسرار قديمة قدم الغاب ووحيشها ونبيتها، عل ذلك يكون أقرب إلى خطوة التحول، وقد كان يحس أن كل خطوة تقربه من شيء كبير، كأنه شيء مألوف رغم أنه يبدو غرائبيا غير منظور لديه…
تبدى له أن مسار الأسلاف لم يكشف له عن سرائره بسهولة، فعالم الغموض والدهشة والتحولات الكبرى ليس بالسهل خصوصا أن أمنيته وعزمه أنه محنة في الطريق، وأن بلوغ الطريق المقدس لم يكن أبدا كما ظنه للوهلة الأولى !
لقد علم أن سر التحول كامن في مكان ما، فما أدراني بسر التحول العجيب ؟ تساءل الثعلب وهو يجوب هائما على وجهه في كل أنحاء الغاب والجوار، كأنه ينتظر بوح شيء ما عما قريب… قريبا جدا…. ثعلب في جوف إنسان أو إنسان في روح ثعلب عليه فقط أن يخار !! لقد خامرته الشكوك بقوة…
(يتبع)

Leave a Reply