الثعلب الذي حلم بالمشي على قدمين (1/5)
الجزء الأول: همسة أمنية
في بستان يختال مختبئا في قلب غابة مليئة بقدم الأشجار، عاش الثعلب بمعطفه المشرق بين وحيشها ونبيتها، وقد كان حلما يأويه سرا معه في فسيح مكان الغاب لسنوات. في كل ليلة، حلم تحت السماء المرصعة بالنجوم في ثوبها، يرى الرجال من بني البشر يمشون على قدمين ويتحدثون ويضحكون ويبنون ويشيدون بأياديهم الماهرة، لكنه تسائل هل بإمكانه أن يصير مثلهم، هل أمنية أن يصير ثعلبا ماشيا على قدمين ويفعل ما يفعلون قضية ممكنة وأن يشعر بالأرض تحت قدمين قويتين بدل عذابه بالمشي على أربع، فقد كانت الفكرة التي انفلقت في ذهنه تراوده وتغازله وتعيش في فكره ماشية على قدمين أيضا !
كان هذا الحلم اللصوصي مجرد همسة لامزة في البداية، وفكرة صغيرة تهشم مطارق فكر الثعلب الحالم، وتدور في ذهنه كلما كان القمر مرتفعا أثناء نوم الغابة. مع مرور الوقت وانثياله، نمت الفكرة بصوت أعلى وغزت كيان الثعلب، ولم يعد يريد الصيد كالوحيش للبقاء على قيد الحياة أو الاختباء من باقي العدا، بل صار يريد أن يكون قوي الشكيمة أكثر، وأن تهابه باقي الضواري وأن يصير على شكل أقوى مخلوق على وجه الأرض، أراد أن يفهم عالم البشر وبماذا ولماذا هم متفوقون على بني جنسه وباقي الحيوانات والمخلوقات، بل أن يلمس أسرارهم، بل وربما فقط، أن يصبح واحدا منهم.
في إحدى الأماسي، ربض الثعلب في جوارات الغابة، مشاهدا مشهدا مألوفا لديه، بل آسرا لكيانه، لقد كان يشاهد مجموعة من الرجال متحلقين حول النار، وتمنى حينها أمنيته وهو يطالع القمر… نعم تمناها أن تتحقق ! طلب أن يصير إنسانا، وأن يمشي على قدمين وأن يشاهد العالم من حوله بعيون مختلفة، بينما لم يكن قط متأكدا من أن القمر والأرجاء قد سمعوا أمنتيه، لكن كان يشعر في كل مرة يتمنى ذلك بقوة جديدة تسري في مكامن جسده، وأن بصيص الأمل سيرافقه في كل الأيام القادمة …
(يتبع)

Leave a Reply