افتتاحية الثعلب (15)

افتتاحية الثعلب

الثعلب الأَخْيَلُ في مقطورة الجبل (1/3)

عندما اخترقت أشعة الفجر الأولى حجب الضباب الباهتة للجبال المغربية، وتحركت من روابض جحري الخجول بخيلائي منسلًا بين الأشجار كالعادة. كان المكان أرضية الغابة المظللة، كنت شبحًا نهاريا في صفو العالم الهادئ، وكان وجودي  ينسال مع هواء الصباح نقيًا، مليئًا برائحة الصنوبر الترابية والوعد البعيد بالمطر. في هذا السكون الهادئ وجدت إيقاعي الصباحي، فكل خطوة متعمدة، وكل حركة محسوبة.

كانت الغابة، بأرزها الشاهق ومساراتها المتعرجة، ملاذًا لي ومتاهة. لكنني بصفتي الثعلب كنت أعرف ذلك جيدًا، حيث كما يقال بأن المرء يعرف ملامح قلبه. كان الهدوء المعتاد ممزوجًا بتيار متحول خفي في الهواء لا يمكن إلا لأشد الحواس اكتشافه. توقفت وضاقت عيناي الحادتان عندما التقط رائحة تحملها هبات النسيم وهي رائحة بشرية مليئة بالصدأ العارم وغير مألوفة.

سرعان ما أصبح مصدر هذا الاضطراب واضحًا، واقعا بين النبيت والأشجار، تحجبه الشجيرات الكثيفة. دلفت في فضول المكان، فإذا بي أمام مقطورة قديمة حابسة، توقفت هنا في أرض الغاب بسبب الطقس. ربضت حالا في مقاصة صغيرة، فوجودي هنا غريب ومقلق. ومن عادة الثعلب الاحتفاظ بحذر دائم، بمسافته، فغرائزي حذرة من المجهول. ومع ذلك، أشار إلي شيء ما في المقطورة، وهمسة من الفضول لم أستطع تجاهلها. لم تكذب براحات الغابة علي من قبل، ولكن الآن يبدو أنها تحمل أسرارًا، بيد أني كنت مصممًا على كشفها…
يتبع…

Leave a Reply

Your email address will not be published.