الجزء الثامن: رقصة الظلال والنور (8/10)
جلس الثعلب وكسنجر في صمت مطبق قبل انطلاق هذه الجولة النزالية في حروب الكلام والدبلوماسية الفكرية، كانا كمن يمثلان هذه السكون الغابوي حسن يسكن كل شيء، كانت ظلال الأشجار تتراقص وتتهادى، حيث قرفص الثعلب قرب جذع شجرة وتبادل مع كسنجر نظرات كأنما يتبادلانه من نظرات أبلغ مما تجود به الكلمات.
حسم الثعلب في البداية وهو يراقب الظلال الممدودة في هذا البراح الطبيعي، وسأل كأنه آذن بانطلاق صافرة البداية الحوارية: “عندما يتغير الضوء تتغير الظلال، كأنهما الصمت والكلام المباح، إنه نوع من التوازن في عالم لا تحكمه القوانين المثالية، بل تحكمه المصالح والقوة. الكثير ممن يعتقدون أن التوازن بين المصالح والمبادىء هو أساس قوتك وهو أساس البقاء، أريد أن فهم منك كيف تدار هذه العلاقة التنافسية دون فقدان الدولة القوية لمكانتها، وكيف السبيل للحفاظ على الإستمرارية بين الثابت والمتحول في عالم متغير لا يؤمن بالمسلمات والثوابت؟
أجاب كسنجر بنبرة ميسمها الهدوء:
كما أسلفنا في سالف الحوارات، البقاء للأكثر قدرة على التكيف، لكن ما هو الجديد في الأمر ؟ الجديد هو أن كيان الدولة يجب أن يفهم حدود قوته وألا يخوض حروبا خاسرة منذ البداية، المراهنة على حصان خاسر هي كبوة قبل الكبوة، وسقوط قبل السقوط. الموازنة بين قوة صلبة (خشنة) وقوة ناعمة مطلوب، كما يطلب العطشان الماء، ثم كيف يمكن القول بوجود الظل دون النور، والنور دون الظل؟ الظل هو ابن الضوء لا وجود له بدون الأول.
الثعلب متابعا بهمة واضحة: إذن فالبقاء مرتبط بقدرتك على معرفتك حجم التحولات، وليس نتاج القوة المجردة فقط، وتعديل مواقعك قبل أن تجرفك رياح التحولات والتبدلات. إذن فالوقوع أسيرا في يد الثوابت لن يرحم من عاش في سجنها. إذن السير بين الظلال ليس خيانة للنور بل هو إدارك لقصور النور عن إضاءة المسار كاملا لوحده. أليس الظل هو ما يخفي الحقيقة أكثر؟ والسياسة ظل أو أمكنة ظل كثيرة؟
كسنجر مومئا برأسه (كمن يستهل الإجابة): بالعقل والتأمل، يمكننا أن نرى ما لا يراه الآخرون، نستطيع بذلك أن نرى ما وراء الظلال، مثل ظلال المعاني في اللغة، مثلما نريد ترجمة مفهوم أو عبارة أو جملة من ثقافة إلى أخرى، هناك مناطق ظل كثيرة في المعنى ثانوية خلف الكلمات، وهي أشبه بحالتنا في السياسة والقدرة على التفاوض والبقاء والصمود.
تسائل الثعلب من جديد: يا هنري، في عالم به قباب الممالك، ودهاليز السياسات، والأقوياء يتحركون ببطء محسوب، والأوفياء قليلون، والحالمون يطيرون نحو هاويتهم، هل الرقص بين نور وظل فن لا يستطيعه أي كان، كيف نستطيع فهم علاقة حدود قدراتنا واستغلالها واستقلالها بشكل فعال؟
أجاب كسنجر : بالنظر إلى جميع تجاربنا السابقة والتعلم من أخطائنا، نكون أقدر على التكيف مع المتغيرات والاستفادة من الفرص التي تظهر.
نظر الثعلب إلى كسنجر هذه المرة بإمعان شديد وقال: إذن فالأمر أليق بالتالي؛ أي أنه أكثر وفوق مستوى القوة والبطش، الأمر يتطلب القدرة على جمع الذكاء والقدرة على التكيف أيضا…
كسنجر مبتسما وقال : هذا صحيح أيها الثعلب، البقاء هو مزيج فريد بين كل ما سبق، القوة والذكاء والقدرة على التكيف والمزاوجة بينها، يجب دوما التحلي بهذه القدرات ماديا وحسيا.
في هذه اللحظة، والثعلب والسيد كسنجر، أطبقا صمتا جعل حفيف أشجار الغاب تُسمع، كأنها مساحة التفكير والتأمل الباقية بعد كل هذا السجال الفكري، كأنها حدود الصمت والكلام، حدود النور والظل…

Leave a Reply