في 13 و14 أكتوبر 2026، قام العاهل الإسباني فيليبي السادس بزيارة تاريخية إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، هي الأولى له منذ اعتلائه العرش عام 2014، والأولى لملك إسباني منذ زيارة خوان كارلوس الأول عام 2007. وخلال الزيارة، أعلن الملك الإسباني أن السيادة على المدينتين “غير قابلة للتفاوض” و“لا تقبل الجدل”,في رسالة واضحة إلى المغرب الذي يعتبر المدينتين “محتلتين” ويطالب باستعادتهما. لكن هذه الزيارة، التي بدت وكأنها استعراض للقوة، فتحت جرحاً تاريخياً لم يندمل منذ قرون.
الجذور التاريخية للنزاع تعود إلى عام 1415، عندما سقطت سبتة في يد البرتغاليين كأول خطوة في توسعهم البحري، قبل أن تنتقل إلى التاج الإسباني عام 1735,ولم تخرج منه إلى اليوم. أما مليلية، فقد احتلتها إسبانيا عام 1497,وتم رسم حدودها عبر معاهدات بين إسبانيا والمغرب سنوات 1859 و1861 و1894 بعد حرب تطوان. ومنذ استقلال المغرب عام 1956، تعتبر الرباط المدينتين “محتلتين”,وتؤكد أن السيادة عليهما يجب أن تعود في نهاية المطاف إلى المغرب.
لكن المفارقة الكبرى التي كشفها تحليل مجلة “تيل كيل” المغربية أن إسبانيا ترفض للمغرب ما منحته لبريطانيا. ففي 14 يوليوز 2026، أُبرم معاهدة جبل طارق التي سمحت بإسقاط الحواجز الحدودية، مع احتفاظ إسبانيا بمطالبها السيادية، بل إن مدريد اقترحت على لندن سيادة مشتركة. لكن عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية، يتحدث وزير الخارجية الإسباني عن “هراء”، رغم أن الحسن الثاني كان قد اقترح في 1987 إنشاء “خلية تفكير” للبحث في حل، ولم يتلقَ أي رد.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال استراتيجي: لماذا اختار المغرب الصمت هذه المرة؟ التحليل المغربي يشير إلى ثلاثة أسباب: أولاً، الزيارة لم تكن موجهة للمغرب، بل كانت “لعبة داخلية” في السياسة الإسبانية، حيث طالبت المعارضة اليمينية طوال الصيف من رئيس الحكومة بيدرو سانشيز “السماح” للملك بالزيارة، فمنح موافقته في 1 أكتوبر، ثم دعا إلى انتخابات مبكرة بعد أربعة أيام، ولم يحضر الزيارة. ثانياً، في هذه الحملة الانتخابية، المغرب هو “المذنب المثالي”، حيث وصل الملك إلى سبتة بعد زيارات لزعماء اليمين المتطرف مثل ماريون ماريشال وسانتياغو أباسكال وجوردان بارديلا، الذين وصفوا المدينة بـ“الموقع الأمامي لأوروبا” و“الغزو”. وثالثاً، الرد كان سيعني الدخول في الحملة الانتخابية الإسبانية واللعب “الدور الذي أرادوا إسناده للمغرب”.
الخلاصة أن قضية سبتة ومليلية ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي جرح تاريخي يتداخل فيه الاستعمار والهجرة والسياسة الداخلية في البلدين. وإذا كانت إسبانيا ترفض التفاوض، فإن المغرب، على الأقل في هذه اللحظة، اختار “الصبر الاستراتيجي” على “المواجهة العلنية”، مدركاً أن الوقت والتغيرات الجيوسياسية قد تكون في صالحه أكثر من أي معركة دبلوماسية مباشرة.

Leave a Reply