كيف تعيد المعلومات المضللة تشكيل الديمقراطية؟

كيف تعيد المعلومات المضللة تشكيل الديمقراطية؟

في مايو 2026، وبينما كانت واشنطن تتصارع حول ميزانية الحرب على إيران وملف إعادة فتح مضيق هرمز، انتشر مقطع فيديو مفبرك بالذكاء الاصطناعي يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يعلن استسلاماً غير موجود للقوات الإيرانية. الفيديو شوهد أكثر من مائتي مليون مرة على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة قبل أن يتم دحضه رسمياً بعد اثنتين وسبعين ساعة من قبل فريق التحقق من الحقائق في البيت الأبيض. هذه الحالة ليست معزولة ولا استثنائية، بل هي مثال حي ومكرر على ما يسمى “عصر ما بعد الحقيقة” – تلك المرحلة التاريخية التي لم تعد فيها الحقائق الموضوعية تشكل أساس النقاش العام، بل أصبحت المشاعر والمعتقدات الشخصية والانتماءات السياسية هي التي تحدد ما هو “صحيح” وما هو “خطأ” بالنسبة لكل فرد وجماعة.

صاغ المصطلح الفيلسوف الصربي دانيل كريكيتش لأول مرة عام 2018، لكنه لم يصبح واقعاً يومياً ملموساً إلا في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. في عصر ما بعد الحقيقة، لا يهم ما إذا كان التصريح صحيحاً أو قابلاً للإثبات؛ المهم هو أن يكون “مؤثراً” عاطفياً، أو “مثيراً” للجدل، أو “متسقاً” مع الهوية السياسية للجمهور المستهدف. وقد ساهمت خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وتيك توك بشكل كبير في تعزيز هذه الظاهرة. فهذه الخوارزميات صُممت أصلاً لتعظيم وقت التفاعل، وليس لعرض الحقائق المتوازنة. وهي تظهر لكل مستخدم المحتوى الذي يريد رؤيته – أو الذي يتوقعه – بناءً على سلوكه السابق، مما يخلق “فقاعات ترشيح” و”غرف صدى” يعيش فيها المستخدم في واقع موازٍ لا يتقاطع مع واقع الآخرين.

العواقب على الديمقراطية مدمرة. فالديمقراطية تقوم على فرضية أن المواطنين قادرون على اتخاذ قرارات عقلانية ومستنيرة بناءً على معلومات دقيقة ومشتركة. عندما تختفي الدقة، وتتجزأ المعلومات إلى روايات متنافسة، تختفي العقلانية العامة. الانتخابات الديمقراطية أصبحت أكثر عرضة للتلاعب من أي وقت مضى. كشفت التحقيقات في انتخابات البرازيل عام 2024 عن وجود أكثر من اثني عشر مليون حساب آلي نشر أخباراً كاذبة ومضللة عن مرشح اليسار. وفي الهند عام 2025، انتشرت رسائل واتساب مفبركة بالذكاء الاصطناعي أدت إلى أعمال عنف طائفية أوقعت العشرات من الضحايا. الحلول متعددة وتتطلب تعاوناً عالمياً. تحتاج المجتمعات إلى تنظيم ذكي للمنصات، وتعليم محو الأمية الإعلامية من الصفوف الأولى، واستثمار في التكنولوجيا المضادة لكشف التزييف العميق. الحقيقة لا تزال موجودة، لكن الدفاع عنها يتطلب جهداً واعياً ومنظماً.

Leave a Reply

Your email address will not be published.