في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى تطورات الميدان، كشف كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني بالبيت الأبيض، أن الحرب على إيران كلفت الخزانة الأمريكية حوالي 12 مليار دولار خلال الأسبوعين الأولين فقط، منذ انطلاق العمليات المشتركة مع إسرائيل في 28 فبراير الماضي . الرقم الذي أعلن عنه عبر شبكة CBS News أثار موجة من التساؤلات في واشنطن وحواضر الخليج والعواصم الغربية: هل هذه الفاتورة مجرد بداية لمستنقع مالي جديد؟ وكيف توازن إدارة ترامب بين تحقيق أهدافها العسكرية وهذه التكلفة الصاروخية؟
المؤشرات الأولية تشير إلى أن الإنفاق الفعلي قد يكون أكبر من الرقم المعلن. فوفقاً لتقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تجاوزت تكلفة الـ 12 يوماً الأولى حاجز 16.5 مليار دولار، بعد أن كانت التكلفة التقديرية للأيام الستة الأولى حوالي 11.3 مليار دولار . لكن الأكثر إثارة للقلق ليس حجم الإنفاق الإجمالي، بل تركيبة هذا الإنفاق وما تكشفه عن مواطن الضعف الاستراتيجي لدى الجيش الأمريكي.
فاتورة الذخائر: حيث ينزف البنتاغون بصمت
تكشف بيانات معهد فورين بوليسي ريسيرش (FPRI) أن التحالف بقيادة الولايات المتحدة أطلق أكثر من 5197 ذخيرة خلال الـ 96 ساعة الأولى فقط، موزعة على 35 نوعاً مختلفاً من الأسلحة . هذه الكثافة النيرانية غير المسبوقة جعلت “العملية Epic Fury” الأكثر شراسة في تاريخ الحروب الجوية الحديثة، متفوقة على الحملة الدولية على ليبيا عام 2011 التي استخدمت 735 قنبلة فقط في أيامها الثلاثة الأولى.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الكم، بل في النوع. فقد استهلكت الأيام الأولى مخزوناً هائلاً من الأنظمة الدفاعية والهجومية عالية التكلفة التي لا يمكن تعويضها بسرعة. فحسب التقرير نفسه، استخدمت إسرائيل أكثر من نصف مخزونها من صواريخ “آرو” الاعتراضية في أربعة أيام فقط، الأمر الذي يحتاج 32 شهراً لتعويضه بمعدلات الإنتاج الحالية . كما استنزفت بطاريات باتريوت الأمريكية وشركائها الخليجيين 943 صاروخاً اعتراضياً خلال 96 ساعة، ما يعادل 18 شهراً من إنتاج خط الإنتاج المشترك بين لوكهيد مارتن وبوينغ .
هذه المعادلة الحسابية الصعبة هي ما أثار قلق بعض أعضاء الكونغرس. السناتور الديمقراطي تشاك شومر حذر من “توسع زاحف” في أهداف الحرب، بينما وصفها السناتور كريس فان هولن بأنها “فتح لصندوق باندورا دون أي فكرة عن أين ستنتهي بنا العواقب” .

الخسائر البشرية والأصول العسكرية: ثمن الدم والمعدات
إلى جانب الفاتورة المالية، تتزايد الخسائر البشرية والمادية بشكل مطرد. فبحسب إحاطات البنتاغون للكونغرس، قُتل 13 جندياً أمريكياً على الأقل حتى منتصف مارس، بينهم 7 بنيران معادية، وأصيب أكثر من 140 آخرين . كما أسقطت الدفاعات الجوية الإيرانية 11 طائرة مسيرة من طراز MQ-9 Reaper، وشهدت المنطقة حادثة نيران صديقة كويتية أسقطت 3 مقاتلات F-15 في الأيام الأولى للصراع .
أما على الجانب الإيراني، فالأرقام أكثر فداحة. وزارة الصحة الإيرانية أعلنت مقتل أكثر من 1200 مدني، بينهم 165 على الأقل في قصف استهدف مدرسة، فضلاً عن نزوح حوالي 3.2 مليون شخص داخلياً وفق تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين . وتجاوز عدد الجرحى 10 آلاف، وتضررت 25 مستشفى، بينما خرجت 9 عن الخدمة تماماً .
لم تكن إسرائيل بمنأى عن الخسائر، حيث قتل 12 مدنياً وجنديان اثنان في الهجمات الصاروخية والمسيّرة التي تشنها إيران وحلفاؤها . كما امتد الصراع إلى لبنان الذي سجل 773 قتيلاً وأكثر من 830 ألف نازح، وإلى دول الخليج التي سجلت 16 قتيلاً على الأقل .
مضيق هرمز: ورقة إيران الرابحة
لم تقتصر تكلفة الحرب على جبهات القتال المباشر، بل امتدت إلى شرايين الاقتصاد العالمي. فبإغلاق مضيق هرمز، الذي يعبره حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية (15-20 مليون برميل يومياً)، نجحت إيران في إحداث صدمة نفطية عنيفة . وخلال الأسبوعين الماضيين، قفز سعر خام برنت إلى 119.5 دولاراً للبرميل في ذروته، قبل أن يستقر فوق حاجز 106 دولارات، مسجلاً زيادة تجاوزت 50% منذ ما قبل الحرب .
وقد اضطرت وكالة الطاقة الدولية للتدخل بشكل غير مسبوق، معلنة إطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، منها 172 مليون برميل من المخزون الأمريكي . لكن هذا الإجراء يبقى مسكّناً مؤقتاً لأزمة هيكلية قد تطول إذا استمرت الحرب.
اللافت في الموقف الأمريكي هو الثقة المفرطة التي أبداها المستشار الاقتصادي هاسيت، الذي اعتبر أن “أمريكا لن يتضرر اقتصادها بما يفعله الإيرانيون”، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لم تعد كما كانت في السبعينات تعتمد على النفط الخارجي، بل أصبحت منتجاً رئيسياً . لكن هذه الثقة تصطدم بواقع ارتفاع أسعار البنزين محلياً إلى 3.63 دولار للغالون، بزيادة 55 سنتاً عن العام الماضي .
معادلة رخص الثمن مقابل غلو التكلفة
ربما يكون الدرس الأكثر إثارة في هذه الحرب هو الاستراتيجية الإيرانية التي وصفها المحللون بـ “رخص الثمن مقابل غلو التكلفة”. فإيران تطلق صواريخ باليستية لا يتجاوز سعر الواحد منها مليوني دولار، بينما تضطر بطاريات باتريوت الأمريكية لاستخدام 3 صواريخ اعتراضية تكلف 15 مليون دولار لإسقاط صاروخ واحد . هذا التفاوت في الكلفة يشكل استنزافاً منهجياً للمخزون الأمريكي وحلفائه.
وقد أظهرت الأيام الأولى أن إيران كانت تستهدف تحديداً الأنظمة الأكثر ندرة والأعلى تكلفة. فبعد 96 ساعة من القتال، استنفدت مخزونات صواريخ THAAD الاعتراضية لدى الشركاء الخليجيين بنسبة الثلث، وهي أصول لن يتم تعويضها قبل أبريل 2027 حسب جداول التسليم . كما دمرت ضربات إيرانية رادارات AN/TPY-2 المتطورة في الأردن والكويت والسعودية والإمارات، بالإضافة إلى رادار الإنذار المبكر AN/FPS-132 في قطر .
ستة أيام تكفي لتغيير المعادلة
الأكثر إثارة للقلق من وجهة نظر استراتيجية هو ما كشفته الحرب عن محدودية القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية. فبحسب تحليل CSIS، استخدم الجيش الأمريكي 319 صاروخ “توماهوك” في الأيام الستة الأولى، مما كاد يستنفد مخزون السفن الحربية في المنطقة . كما استهلكت العمليات كمية من صواريخ ATACMS لم يتبقَّ معها سوى 8 أيام إضافية إذا استمرت الوتيرة نفسها .
ورغم أن البنتاغون يؤكد أن المخزون الإجمالي لا يزال قادراً على إكمال المهمة، إلا أن الخطر يكمن في الجاهزية لمسارح عمليات أخرى. فاستنزاف صواريخ باتريوت وTHAAD في الشرق الأوسط يعني تقليص القدرة على الردع في أوروبا أو التصدي لأي طارئ في المحيط الهادئ. وقد اضطرت واشنطن بالفعل لإعادة نشر أنظمة دفاعية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ لتعويض النقص في الشرق الأوسط .
هل هي حرب من 4 إلى 6 أسابيع أم حرب استنزاف مفتوحة؟
المسؤولون في إدارة ترامب يؤكدون أن العمليات تسير وفق الجدول الزمني المخطط، وأن المهمة قد تستغرق 4 إلى 6 أسابيع من تاريخ بدايتها . ويشير هاسيت إلى أن أسواق العقود الآجلة تتوقع انتهاء سريعاً للصراع، مع تراجع أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب .
لكن الوقائع على الأرض تبدو أكثر تعقيداً. فرغم تراجع وتيرة الهجمات الإيرانية بعد اليوم الخامس (انخفاض الهجمات بطائرات مسيرة بنسبة 83% والصواريخ الباليستية بنسبة 90%)، إلا أن طهران ما زالت تحتفظ بقدرتها على إيصال الرسائل عبر وكلائها في المنطقة . كما أن رفض دول الخليج الانخراط المباشر في الحرب يحرم التحالف من قواعد إضافية ويحد من خياراته.

من يدفع الثمن الأغلى؟
بعد أسبوعين من الحرب على إيران، يمكن القول إن الجميع يدفع ثمناً باهظاً بدرجات متفاوتة. أمريكا تدفع 12 مليار دولار وتستنزف مخزونها من الذخائر الدقيقة والأنظمة الدفاعية، مع تراجع شعبية الحرب داخلياً (56% من الأمريكيين يعارضونها وفق استطلاع NPR/PBS News/Marist) . إسرائيل تدفع ثمناً اقتصادياً فادحاً قد يصل إلى 3 مليارات دولار أسبوعياً . إيران تخسر قياداتها ومنشآتها النووية، لكنها تنجح في استنزاف خصومها. الخليج يدفع فاتورة تعطل الملاحة وتهديد منشآته النفطية. والعالم يدفع ثمناً تضخمياً وطاقوياً قد يعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي لأشهر قادمة.
الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت الصدمة الأولى قد انتهت، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من حرب الاستنزاف التي لا منتصر فيها سوى معادلة “الكل خاسر”.

Leave a Reply