مغرب ما بعد ‘‘حكومة المونديال’’ وملامح الطريق نحو انتخابات 2026 (ملف : 2/4)

مغرب ما بعد ‘‘حكومة المونديال’’ وملامح الطريق نحو انتخابات 2026 (ملف : 2/4)

مع اقتراب انتخابات 2026 في المغرب، تبدو التحديات الاقتصادية والاجتماعية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالمواطن المغربي لم يعد يقيس الأداء الحكومي بالشعارات أو الخطابات السياسية، بل بمدى انعكاس السياسات العمومية على حياته اليومية: الأسعار، فرص الشغل، التعليم، والصحة. في هذا السياق، تطرح مسألة الثقة السياسية نفسها كعنصر مركزي في فهم السيناريوهات المقبلة.

أزمة الثقة: من استطلاعات الرأي إلى الشارع

تشير نتائج استطلاعات Afrobarometer (2023) إلى أن أكثر من 65% من المغاربة يعتقدون أن الحكومة لا تلبي تطلعاتهم الاقتصادية والاجتماعية. كما أن تقارير صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط سجلت ضعفًا في مؤشرات الرضا عن السياسات العمومية. هذا الانخفاض في الثقة يتقاطع مع تراجع نسبة المشاركة السياسية، حيث يعتبر جزء واسع من الشباب أن الانتخابات لا تحدث فرقًا ملموسًا في حياتهم.

لكن هذه الأزمة ليست جديدة؛ فمنذ 2016، بدأت الهوة بين الدولة والمجتمع تتسع، خاصة مع أحداث الريف واحتجاجات جرادة. هذه المحطات كشفت عن محدودية قدرة الأحزاب السياسية على لعب دور الوساطة بين المواطن والدولة، وهو ما يجعل 2026 اختبارًا صعبًا لمستقبل الثقة السياسية.

الاقتصاد المغربي بين الطموح والقيود

اقتصاديًا، يعيش المغرب مرحلة انتقالية دقيقة. فبحسب تقرير البنك الدولي (2024)، يتوقع أن يبلغ معدل النمو 4.1%، مدعومًا بقطاعي الفلاحة والصناعات الناشئة مثل السيارات والكابلات الكهربائية. ومع ذلك، تواجه البلاد تحديات كبرى:

التضخم: ارتفعت أسعار المواد الغذائية والطاقية بشكل ملحوظ منذ 2022، مما أثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر.

البطالة: بلغت نسبة البطالة أكثر من 12% في صفوف الشباب الحضري، وهو رقم يهدد الاستقرار الاجتماعي.

الماء والجفاف: الأزمة المائية التي عرفتها المملكة في السنوات الأخيرة أضرت بالفلاحة، ما جعل الأمن الغذائي موضوعًا استراتيجيًا.

هذه العوامل تجعل أي حكومة مقبلة مطالبة بوضع خطة اقتصادية واقعية تستند إلى النموذج التنموي الجديد الذي أطلق سنة 2021.

الملف الاجتماعي: التعليم والصحة في قلب المعادلة

من الناحية الاجتماعية، يبقى ملف التعليم التحدي الأبرز. فحسب تقرير اليونسكو (2023)، لا يزال المغرب يعاني من نسب مرتفعة في الهدر المدرسي وضعف جودة التكوين، خاصة في العالم القروي. أما في مجال الصحة، فقد كشفت جائحة كورونا عن هشاشة المنظومة الصحية، رغم إطلاق ورش الحماية الاجتماعية الشاملة.

الانتخابات المقبلة ستدور حول هذه الملفات الحيوية. فالمواطن المغربي لن يصوت على أساس البرامج السياسية المجردة، بل على أساس وعود ملموسة بإصلاح التعليم وتطوير الخدمات الصحية وتحسين جودة الحياة.

بين الاقتصاد والسياسة: معادلة الشرعية

إن العلاقة بين الأداء الاقتصادي والشرعية السياسية علاقة جدلية. فكلما نجحت الحكومة في تحسين المؤشرات الاقتصادية، ازدادت شرعيتها، والعكس صحيح. وهنا تبرز خطورة الاحتجاجات الاجتماعية في حال استمرار الغلاء والبطالة. تقارير صحفية في Hespress وLe Monde Afrique تشير إلى أن “أزمة الثقة” قد تتحول إلى أزمة شرعية إذا لم تقدم الحكومة حلولًا مقنعة قبل 2026.

مقارنات ودروس مستخلصة

تجارب دول مجاورة تقدم عبرة واضحة. ففي تونس، أدى الانهيار الاقتصادي إلى تآكل الشرعية الديمقراطية، بينما في الجزائر ساهمت الطفرة النفطية في تهدئة الشارع نسبيًا رغم الجمود السياسي. أما المغرب، فبنى شرعيته على مزيج من الاستقرار والإصلاح التدريجي، لكن استمرار الأزمات الاجتماعية قد يهدد هذا التوازن الدقيق.

دور المجتمع المدني والإعلام الجديد

لا يمكن إغفال دور المجتمع المدني والإعلام الرقمي. فالبودكاستات والجرائد الإلكترونية باتت منصات قوية للتأثير في الرأي العام، مثل برامج النقاش السياسي التي تحظى بمتابعة واسعة داخل المغرب وخارجه. هذه المساحات الرقمية تُعيد صياغة العلاقة بين المواطن والسياسة، وقد تلعب دورًا حاسمًا في التعبئة أو العزوف خلال انتخابات 2026.

يتضح أن معركة أو معارك الحكومة المقبلة في المغرب 2026 لن تُحسم فقط في قاعات البرلمان أو من خلال التحالفات الحزبية، بل ستُحسم أيضًا في الأسواق حيث الأسعار تلتهب، وفي المدارس حيث التلاميذ يتركون مقاعدهم، وفي المستشفيات حيث المرضى يبحثون عن علاج. فالاقتصاد والمجتمع والثقة السياسية هي الحقول التي ستحدد من يمتلك الشرعية الانتخابية ومن سيفقدها.

(يُتبع)

Leave a Reply

Your email address will not be published.