المكتبة كائن حي : من الانفراد إلى التلاقح المعرفي
في صبيحة من صبيحات ميسمها الضباب، جلس الثعلب وإيكو في الطابق العلوي من المكتبة الكبرى المزدحمة بصنوف الكتب والأسفار، وحيث الكتب الأثقل وزنا ومعرفة وأشد عزلة، مكان مصيري لمن يحمل هم المعرفة. تنبعث من المكان كالعادة روائح القِدم والعتاقة، مجلدات وأطلسات منسية وخرائط وكتب تأويل ومخططات وكتب تحوي تلاوين المعارف الأخرى. بادر الثعلب بخفة دمه المعهودة وهو يتفحص فهرس مكتبة القرن التاسع عشر:
سيدي إيكو، يبدرني هذ السؤال دوما، هل المكتبة تبدو فيما تبدو عليه، مكان ميت أن كائن حي ؟
إيكو مجيبا عن تساؤل الثعلب : المكتبة أشبه بكائن تعددت أعضاءه، فهي تتنفس وتعيش، كل كتاب اعتبره هو الخلية. الحياة لا تنبع من الكتب في حد ذاتها أيها الثعلب! بل تتولد من التفاعلات بينها، ومن القارىء الذي يربط بينها ويوقظ خفاياها.
الثعلب وهو يدير دفة السؤال من جديد : إذن، بالمعرفة حسبما تفضلت، أقصد المعرفة الحقيقية لا تسكن دفات الكتب، ولا تسكن كتابا واحدا، هل سكنها في الحد الفاصل بين كتابين أو أكثر من كتاب ؟ ..
إيكو بحسه التأويلي مجيبا :
بلى، هذا ما يمكن أن نسميه اتفاقًا بتخوم المعرفة، وتقاطعاتها، وفجواتها حيث تنشأ المعرفة، نحن من يملأ هذه الحدود بأسئلتنا. مثلا كتاب في اللاهوتية وكتاب آخر حذوه في الرياضيات، يولد حوارات جديدة لا تخطر على بال حتى مؤلفيها! هذا هو التلاقح المعرفي…
يقوم الثعلب بجولة بين الأرفف بعدما سمع رد إيكو، وانبرى بسؤال جديد:
وهل يعني هذا أن كل مكتبة تؤلف عقلا افتراضيا؟
رد إيكو كان بإيماءة فلسفية :
أرى الأمر أكثر من ذلك، لأن المكتبة ليست عقلا، إذا اعتبرناها تحوي جواهر الفكر البشري، بل هي روح تشكلت عبر العصور، ومن شكلها هو نوايا القراء والضوء والظل المركونان في الصفحات. إنها كائن ينمو ويتعدد، كائن يتعدد بتعدد القراءات…
سكت إيكو برهة، ثم زاد في حديثه:
المكتبة مكان مرصوف، مرتب، مكان لا مكان فيه للفوضى. هي مكان مشبع بفوضى منظمة، تفتح أبواب الإبداع على مصراعيها…
انتهى الحديث، وغادرا المكان بعدها قلبا دواليب التفكير. غادرا تاركين خلفهما احتمالات جديدة للتفكير، وطرح الأسئلة..
(يتبع)

Leave a Reply