افتتاحية الثعلب (23)

الثعلب الذي حلم بالمشي على قدمين

الثعلب الذي حلم بالمشي على قدمين (3/5)

الجزء الثالث: حوار مع العجوز الرمادي

لم يعد الثعلب في متخيلاته يشك قيد أنملة أن مسار من قلدهم قد نجح وحققوا المراد أو أنهم نجوا، بل كان يغدو في هذا الطريق الشائك وهو يخامر رؤى وذكريات بعيدة وغريبة، وأجزاء من حياة أخرى لم يصبحها. كان الأمر في أحلامه كأنه يشده إليه شدا كأنه يختبر تصميمه، ويسعى لمعرفة ما إذا كانت رغبته في أن يصير آدميا وبشريا صحيحة أم مجرد خيال من خيالاته العابرة.

الأشجار في طريقه بدت كأنها تهمس لبعضها البعض، وكأنها تبوح بأسرار منسية في أوراقها، فيما رقصت ظلال الثعلب كلما مر من تحت أغصانها كأنهت تهتز لرؤية جان، وهمس المكان بأصوات وكلمات كأنها السحر لكنه لم يفهمها أو لم يعرها اهتماما فقد كان ما يشغل باله أهم، وتابع مساره المحفوف بالشك والاقتناع والتصميم، فخطواته الثعلبية كانت تخبر المكان بذلك بروعة خالدة.

عند انتصاف الليل، وصل الثعلب إلى دائرة من الحجارة القديمة في مكان من الغاب، شاسعة، ملكوتية، وظهرت فجأة أمامه صورة ظلية في محيط المكان! ربض الثعلب في مكانه من هول المفاجأة !! تسمر الثعلب في حذره وهو يرى مشهدا لم يره سلفا، فالماثل أمامه ثعلب يبدو من قسماته أنه ثعلب عجوز معمر، يكسوه وبر رمادي، ثعلب رمادي حكيم عيناه تشعان وتبرقان ذكاء وحكمة. لم يكن الأمر مخيفا أو مريبا أو حتى ترحيبا، بل بدا الأمر أنه مواجهة بسؤال : ”لماذا تريد أن تصير إنسانا أيها الثعلب الشاب ؟” سأله الثعلب العجوز سريعا بلا مقدمات فقد كان يعلم مراده سلفا، سأله وتردد صوته في معالم المكان، وبدى في وجه الثعلب الشاب التلعثم وكأنه يواجه محنة أراد التغلب عليها.

استغرق الثعلب قليلا في فجأة اللحظة مغيبا في تفكير الرد المناسب، وأخذ لحظة للتفكير والرد فأجاب : ”أريد أن أفهم عالمهم، وأن أشعر بما يشعرون، وأن أصنع ما يصنعون، أريد فقط أن أعيش مثلهم ولو للحظة.”

أومأ الثعلب العجوز الغريب برأسه ونظراته الثاقبة التي اخترت عيون الثعلب الشاب مخبرا إياه بجواب مملوء من غمار الحكمة والتؤدة : “إن الطريق الذي اخترته طويل ومحفوف بالمطبات والمهالك والمخاطر، لكن إذا كانت نيتك صحيحة وسليمة، فقد تجد ما تبحث عنه يقينا. ومع ذلك يجب أن تكون حذرا، لأن التحول إلى إنسان ليست إطلاقا مجرد شكل، ولكن هي مسألة مرتبطة بالقلب والعقل.”

بهذه الكلمات أنهى الثعلب العجوز حواره، وتبدد في المكان مثل ضباب الصباح، تاركا الثعلب الشاب بمفرده، يسعى لفهم كلماته التي أطلقها في مسامعه ورحل، تاركا إياه في محاولة للفهم من جديد وبشكل جديد. تخيل الثعلب كم سيكون بقية المسار صعبا، لكن رغبته الملحة في استكشاف جزء مما سيصير معه في القابل من الأيام، أو ما سيعنيه أن يصير إنسانا حقيقيا مثلما أخبره العجوز الذي رحل وتركه يخوض في موج تساؤلات من الأسرار الغامضة…

(يتبع)

Leave a Reply

Your email address will not be published.