حوارات كافكا مع ثعلب المتاهة (6)

حوارات كافكا مع ثعلب المتاهة (6)

في مستعمرة العقاب: التكنولوجيا كسجن معاصر

الآلة الكافكاوية: العقاب قبل التفكير

تُعدّ قصة كافكا “في مستعمرة العقاب” (In der Strafkolonie) من أشد نصوصه رعباً ورمزية، حيث تتجسد البيروقراطية في آلة عقاب مُبتكرة تُسمى “الحارث” (The Harrow). هذه الآلة لا تنفذ حكماً، بل تُنفذ القانون ذاته؛ فهي تحفر طبيعة التهمة على جسد المُدان ببطء وتعذيب على مدار اثنتي عشرة ساعة، ليتمكن المُدان، نظرياً، من “إدراك” ذنبه قبل أن يموت. لكن العبث هنا يكمن في أن المحاكمة غائبة، والذنب مفترض، والـ “قانون” نفسه هو مجرد إجراء وحشي يهدف إلى الإذلال والتأديب، لا إلى الإصلاح أو تحقيق العدالة. كانت الآلة بالنسبة للضابط الذي يشرف عليها رمزاً لـ “العدالة المطلقة”، التي لا تحتاج إلى أدلة أو نقاش، بل تحتاج فقط إلى التنفيذ المُتقن.

إنَّ هذا المشهد، الذي كُتب قبل قرن من الزمان، يتحوّل اليوم إلى الواقع المعاصر في ظل هيمنة التكنولوجيا الخوارزمية والذكاء الاصطناعي الحربي والرقابي. لقد أصبحت التكنولوجيا هي “الحارث” الجديد؛ لم تعد مهمتها مجرد مراقبة أو تحليل، بل تجسيد للعقاب قبل حدوث الجريمة. ففي أنظمة العدالة التنبؤية، يُصنَّف الفرد على أنه “خطر محتمل” بناءً على تحليلات البيانات والارتباطات الإحصائية، ويُعاقب بـ العزل الاجتماعي، أو الحرمان من الفرص، أو المراقبة المكثفة. إنَّ العدالة اليوم تُكتب على أجسادنا خوارزمياً، ليس بحفر الأحرف، بل بـ بناء “ملف تعريف للذنب” يُحدد مصيرنا المجهول في كل معاملة رقمية.

الثعلب يسأل: هل صارت التكنولوجيا هي الضابط؟

بينما يتأمل كافكا في المفارقة المُرعبة للضابط الذي يؤمن بقدسية الآلة رغم وحشيتها، يظهر الثعلب مُتنقلاً بين الأسلاك والمستشعرات الرقمية، محللاً دور التكنولوجيا الحديثة كـ “حارث” مُعاصر.

قال الثعلب: “يا فرانتز، في قصتك، كان الضابط شخصاً يمكن رؤيته ومحاورته (حتى لو كان محاوراً عبثياً). لكن الضابط اليوم هو البروتوكول المُشغَّل آلياً. إنَّ الذكاء الاصطناعي الحربي والطائرات المسيّرة هي تجسيد مُخيف لـ ‘الحارث’؛ فهي لا تحتاج إلى محاكمة أو قرار إنساني معقد لإطلاق النار، بل تكتفي بمطابقة الهدف مع معايير مُحددة مسبقاً. العقاب لم يعد نتيجة لإدانة، بل أصبح نتيجة لمطابقة البيانات. هذا هو العبث الكافكاوي في أقصى صور الكفاءة.”

ويستطرد الثعلب: “في مستعمرة العقاب القديمة، كان الهدف من العذاب هو ‘الإدراك’ (أن يُدرك المُدان ذنبه). أما في مستعمرة العقاب التكنولوجية، فالهدف هو ‘الإخضاع’؛ لا يهم أن تدرك ذنبك، المهم أن تنصاع لمنطق الآلة. انظر إلى الرقابة التقنية الشاملة (Surveillance Capitalism) التي تُمارسها الشركات الكبرى والدول؛ إنها تُنشئ سجناً رقمياً حيث كل خطوة، وكل كلمة، وكل ميل، يُسجل ويُحلل ويُصنف. نحن لا نعيش في ظل “قانون يحمينا”، بل في ظل “قانون يراقبنا” باستمرار، وكأنه يقول لنا: ‘أنت مذنب حتى تثبت الآلة عكس ذلك’، وهذا الإثبات مستحيل لأن الآلة لا تتحدث بلغة البشر.”

إنَّ التكنولوجيا الحديثة لم تُبسط الحياة، بل أعادت إنتاج البيروقراطية في شكل أكثر تعقيداً وشمولاً، حيث أصبح لكل مواطن رقمي “ملف عقاب محتمل” يُدار عبر الخوارزميات. لقد أُعيدت صياغة “المصير المجهول”؛ لم يعد مصيراً نخشاه في نهاية الطريق، بل أصبح حالة يومية تُحدد مدى وصولنا إلى الخدمات، العمل، أو حتى حريتنا في التنقل.

المتاهة الجديدة: هل هناك هروب من “الحارث”؟

في نهاية قصة “في مستعمرة العقاب”، تتفكك الآلة، وتتحول إلى مصدر كارثة على الضابط الذي كان يؤمن بها. لكن الثعلب يُشير إلى أن هذا التفكك لم يحدث في الواقع المعاصر؛ فالآلة التكنولوجية، بخلاف الحارث القديم، تُصلح نفسها آلياً وتُعلّم نفسها بنفسها (AI/Machine Learning). إنها متاهة ذاتية التجديد.

إنَّ السؤال الكافكاوي الجذري في هذا السياق هو: ماذا يحدث عندما تصبح العدالة غير إنسانية بالكامل؟ عندما لا يكون هناك مكان للرحمة، أو للسياق البشري، أو حتى للخطأ. التكنولوجيا توفر “الوهم” بـ “العدالة المُتقنة” و**”الكفاءة الكاملة”**، لكنها تُخفي تحت هذا الوهم العبث المطلق لعدالة لا ترى سوى البيانات، ولا تهتم بالروح.

يختفي الثعلب بين الأرقام المتدفقة على الشاشات، مُخاطباً كافكا والقارئ في آن واحد: “لقد كان هدف الضابط أن يُعلّم الآلة المُدان ذنبه في جسده، لكن ما الذي تُعلّمنا إياه الآلة الرقمية الجديدة؟ ألا تُعلّمنا أن الانصياع هو الشكل الوحيد للبقاء؟ وهل المصير المجهول اليوم هو أن ننتهي بـ ‘المحو’ من السجلات الرقمية، أم أن نعيش للأبد كـ ‘ملف عقاب مُحتمل’ تحت نظر آلة لا تعرف التعب ولا تغفل عن مراقبة أجسادنا وسلوكنا؟”

بعد أن أصبح جسدنا سجناً، نتوجه إلى الفضاء الذي وُعد بالحرية لكنه تحول إلى قيد. تابعوا: “أمريكا: الحلم المبتور”

Leave a Reply

Your email address will not be published.