فِتْيَةُ نيتشه: كيف عاد الفيلسوف من برد النسيان؟

فِتْيَةُ نيتشه: كيف عاد الفيلسوف من برد النسيان؟

قراءة في كتاب فيليب فيلش “كيف جاء نيتشه من برد النسيان” ؟

أذكى رجل أعرفه يبدو كشخصية كوميدية من رواية. أصلع، قصير القامة، مفرط الحماسة، يضع نظارات سميكة، ويقطع حديثه بعادة لفظية غريبة (“أم–نياه”)، ربما تلوّن كلامه في سبع عشرة لغة يتقنها. يذكّرني بتموفي بنين من حيث غرابة الطبع، لكنّه أيضًا طيب، حكيم، وجاد إلى أقصى الحدود. حين حصل على تأهيله الأكاديمي في السادسة والعشرين، شبّهه كثيرون بنيتشه، الذي صار أستاذًا جامعيًا وهو في الخامسة والعشرين.

لكن مجرّد ذكر اسم نيتشه أمامه يجعله يقشعرّ اشمئزازًا. يقول إنه يحتاج إلى حمّام بعد قراءة ها أنا ذا (Ecce Homo). كانت محاضرته في جامعة نوتردام أول ما عرّفني على إحساس “الخجل بالإنابة” الذي يصفه الألمان بكلمة Fremdscham. بالنسبة للبعض، لا يمكن فصل نيتشه عن افتتان النازيين به، ولا عن إعجاب بينيتو موسوليني الشاب، ولا عن الدور المشبوه لشقيقته الوحيدة إليزابيث، التي روّجت لمخطوطاته المعادية لليهود، وقدّمت أجزاءً أخرى على أنها عمله الأخير إرادة القوة. لم يُشكَّك جديًا في هذا العرض لمخلفاته الفكرية إلا بعد الحرب العالمية الثانية. ومن هنا يبدأ كتاب فيليب فيلش كيف جاء نيتشه من البرد، الذي يروي حكاية إعادة الاعتبار لهذا المفكر الملتبس على يد باحثَين إيطاليين قلّ من يذكرهما: جورجيو كولي ومازّينو مونتيناري.

حكاية أوروبية خالصة

القصة كما يرويها فيلش أوروبية بامتياز. الأمريكيون لم يُدِروا ظهورهم لنيتشه أبدًا؛ بل احتضنوه بقدر من النخبوية الروحية التي تمنح الشخصية شيئًا من الأناقة، حتى وسط الفردية الديمقراطية. في برينستون، منذ أيام فالتر كاوفمان، وُجد دائمًا من يذكّر بأن نيتشه كان يحترم رالف والدو إمرسون. في شيكاغو منذ عهد ليو شتراوس، وفي قاعات هانا آرندت، كان ظلّ هايدغر حاضرًا، وهايدغر نفسه لم يكن ليقلب ميتافيزيقا الفلسفة لولا نيتشه. أما بالتيمور، فقد كانت أول من احتفى به؛ هناك كتب هـ. ل. مينكن أول كتاب بالإنجليزية عن نيتشه، وهناك أيضًا قدّم جاك دريدا في مؤتمر 1966 رؤيته “التفكيكية” لنيتشه.

لكن خلف هذه الاحتفالات الفكرية، كان كولي ومونتيناري يعملان بصمت في فايمار، خلف الستار الحديدي، لإعداد طبعة نقدية شاملة لأعمال نيتشه، بما فيها أوراقه الخاصة. كانوا يقابلون صخب دريدا وإخوته في فرنسا، الذين جعلوا من نيتشه بطلًا للعب النصي وتفكيك المعنى، بصرامة فقه اللغة ودقة التحقيق.

بدايات في زمن الفاشية

بدأت الحكاية عام 1942 في مدرسة “نيكولو مكيافيلي” الثانوية بمدينة لوكا الإيطالية. كان كولي معلمًا شابًا ذا كاريزما، يبلغ الخامسة والعشرين، فيما كان مونتيناري طالبًا واعدًا في الرابعة عشرة. والمفارقة أن افتتان كولي بنيتشه كان يزعج المناهج الفاشية أكثر مما فعلت المعارضة الليبرالية، إذ رأى في نيتشه انعتاقًا من زمن سيء نحو فكر إغريقي قديم، خارج قوالب التاريخية الهيغلية الرسمية.

صرامة النص والفلسفة

بالنسبة لمونتيناري، لم يكن في نصوص نيتشه –حتى في علامات الترقيم– شيء عابر. كانت هذه “الضرورة اللوغوغرافية” بلغة شتراوس، أي الإيمان بعصمة النص الفلسفي. هذا الإيمان قرّبه من مدارس القراءة الدقيقة للنصوص الكلاسيكية في الجامعات الأمريكية الصغيرة، لو قدّر له أن يدرّس هناك.

لكن مونتيناري، على خلاف أستاذه، انتمى للحزب الشيوعي الإيطالي، وهو ما فتح أمامه أبواب أرشيف فايمار، حيث خزّن السوفييت مئة صندوق خشبي تحوي مخطوطات نيتشه الأصلية. وفي ظل الرقابة، كان عمله على “البرجوازي المتدهور” سرًا لا يُكشف.

الفن والسياسة والفلسفة

كولي ومونتيناري، مثل توماس مان الذي أحبّه الأخير، رفعا البصيرة الفنية فوق النزعات الفكرية السائدة. الفن، بالنسبة لهم، أسبق من السياسة، لكنه ليس بريئًا منها. مان، المتأثر بنيتشه، دافع عن حرية الفنان في كتابه تأملات رجل غير سياسي (1918)، رافضًا “التمدن” العقلاني لصالح “الثقافة” الغريزية العميقة. هذا الموقف جعله مرة في صف القيصرية الألمانية، ومرة أخرى في صف المخرجين الشيوعيين المضطهدين في أمريكا.

لا ذهب في الصناديق

لم يجد كولي ومونتيناري “التحفة المفقودة” في أوراق نيتشه. بل إن مونتيناري ألّف كتابًا بعنوان إرادة القوة لا وجود لها، مناقضًا أطروحة هايدغر التي جعلت من هذا العمل ذروة فكر نيتشه. إن ما وجدهما، على الأرجح، كان حكاية بشرية عن الإخلاص للبحث، أكثر من اكتشاف فلسفي يقلب الموازين.

ومع ذلك، تظل هناك لحظات ذهبية في المراسلات. ففي رسالة إلى صديقه إرفين رودِه (1869)، كتب نيتشه عن الخريف خارج نافذته:

“أحبه كما أحب أفضل أصدقائي، لأنه ناضج تمامًا ولا يتمنى شيئًا لنفسه، بل يمنح كل ما لديه.”

هنا، في هذا الصفاء الذي يتجاوز “إرادة القوة”، ربما يكمن السر الذي جعل “فتية نيتشه” في لوكا وفايمار يكرّسون حياتهم بين الفن والفلسفة، وبين البرد الأيديولوجي ودفء النصوص الخالدة.

كاتب المقال الأصلي :

روبرت ويلي
روبرت ويلي أستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة آشلاند، وهو المؤلف المشارك لكتاب “بيونغ-تشول هان: مقدمة نقدية” (دار بوليتي، 2024).

مترجم بتصرف من موقع : https://www.theamericanconservative.com/the-nietzsche-boys/

Leave a Reply

Your email address will not be published.