حوارات ثعلب السيمياء مع أمبرطو إيكو (2/10)

أمبرطو إيكو

الحلقة الثانية : المكتبة ككون متخيل

المكان : اختار المتحاوران المكان بعناية بالغة دون صدفة اللقاء وهما المولوعان بسحر المكتبات، مكتبة قديمة عظيمة عظم الأسئلة التي تحويها في الكتب، وعظم الأجوبة التي تختزنها بين الرفوف، رفوف شاهقة، كتب متراكمة ومتراكبة حتى السقف، سلالم خشبية أنطولوجية متحركة، تخالها تصعد وتهبط لوحدها تهمس همسا خافتا على عبقية الضوء الكهرماني النافذ من النوافذ الزجاجية تلف المكان بهالتي الحُلم والعِلم.

ثعلب السيمياء ماشيا بين الرفوف ببطء، ودالفا بينها بعمق، متأملا الأوراق والمجلدات والكراسات، ملقيا بسؤال بدا كأنه فاتحة للمناقشة القابلة بين هيبة وهالة الكتب…
ثعلب السيمياء :
سيد إيكو، ونحن نطوف بين هذه الكواكب الورقية… هل من الممكن عدّ المكتبة كونا بديلا ؟ بمعنى آخر هل هي الأصل الذي يتناسخ منه وعنه الواقع ؟ هل في ذلك مسألة منطقية أم مجرد مكانٍ عادي يرمم أشلاء الفكر المتناثر ؟

أمبرطو إيكو (متوقفا أمام مخطوطة مذهّبة يتأملها طويلا) :
يا عزيزي ثعلب السيمياء، المكتبة ليست مجرد مكان عادي، إنها خريطة روحية للبشرية… هل تدرك معنى ذلك ؟

ثعلب السيمياء (متسائلا) : خريطة روحية !
ممم… جميل حتى مفردة ”السِّفْر” و ”الأسفار” شبيهة بـ ”السَّفَر”، إنها من نفس الجذر تقريبا، أي أننا نسافر في عوالمها.. جمييل تشبيهك ! تشبيه موفق إلى حد بعيد… كيف إذن نستطيع الاهتداء فيها وبها ؟

أمبرطو إيكو (مجيبا بهدوء الواثق) : أجل، كل كتاب فيها باب يقود إلى عالم أو عوالم متعددة، إن كل رف فيها هو قارة بكاملها، وأحيانا أرى أن الواقع نفسه هو مجرد محاولة فاشلة لتقليد ما هو موجود هنا. لا أبالغ إن قلت ذلك !

ثعلب السيمياء (بابتسامة خفيفة) : أتعني أن فحوى الكتب والأسفار أكثر واقعية من الواقع ذاته ؟ ثم ما نعرفه هو أنها تمحص الواقع، تشرحه تنقده بحدة، تعبر عنه بطريقة فنية عبر مخاطبة الروح للورق عبر القلم وطرق همم الفكر !

أمبرطو إيكو (معدلا نظارته ويهمس) : بل إن الكتب هي ما يمنح الواقع معناه المتأصل، الخفي، عالما تخيليا ليس كما يبدو، لكنه واقعي بالمعنى والجرد والحِسِّ واللمس. تخيل عالما نعيش فيه بلا كلمات… سيغدو عالما ”خَوَاءً”، خواء من المعنى والكلمات والنصوص، وهذه الأشياء هي ما يعطي للأشياء في عالمنا قوامها وظلالها ووزنها الحقيقي ! الكتب هي جرد للفراغ، وإفراغ للفراغ، وملء كل ذلك بالمعاني السامقة، والذوق والتهذيب والتشذيب. الكتب هي رقي بالكلام نحو الكمال.

ثعلب السيمياء (متحفزا) : لقد أثرت شهيتي للأسئلة سيد إيكو، فهل من إذن يختار القارئ الكتب أم هي من ستختاره وتغويه أنت تميل إلى هذه الأمور الحسية واللاحسية من خلال كتاباتك أحيانا أليس كذلك ؟ أليست الغواية اختيارا من الطرفين (القارئ والمقروء) على الأقل اعتدالا وعدلا بينهما؟
أمبرطو إيكو (يضحك بهدوء معهود) : الجواب مضمون، كما أن النبوءة لا تختار نبيها عبثا، فإن الكتب كذلك، إنها تعرف قارئها… ربما قبله بقرون، أنا أوقن بهذه الأمور فعلا، طبعا بعد تجربة وتدبر بين صفحاتها.

ثعلب السيمياء (وهو يرفع كتابا متهالك الغلاف) : حقا؟ معنى ما تقوله، أن المكتبة هي كائن حي، كون مسطور في الورق، ينتظر القارئ الذي يفك طلاسمه ويستبطن ويستنبط الثاوي من المعاني ؟ هل بهذا المعنى تعد المكتبة كونا يحوي الألغاز التي تنتظر من يفك شيفراتها الطلسمية ؟
أمبرطو إيكو (مجيبا وهو ينظر إلى المكان نظرة جائلة) : بل قل إنها “فخ رحيم”… كل من يلجها يتغير إلى الأبد، حتى لو ظن أنه خرج كما دخلها أول مرة. لأن الداخل إلى عوالم المعرفة تتسع رؤاه، يتغير وعيه، ويصبح هو نفسه “يصطاد” نفسه دون أن يدري، ويعلق في شباك لا مهرب منها من “المعنى والتأويل”. إنه ألم لذيذ، وخسارة مباركة، حيث يفقد القارىء بساطته الأولى، لكنه يكسب تعقيدا خلاقا، يخرج من دهاليز الخرائط الروحية أقل دوغمائية ويقينا، وأكثر دهشة.

ثعلب السيمياء (بصوت خافت كأنه يكشف سرا) : إذن من تعبيراتك، فإن المكتبة أشبه بالملاذ، ومعبد التيه الاختياري؟ تيه نبحث فيه عن أنفسنا بين الحروف والكلمات، فالمعرفة تترك أثرها لا شك دون استئذان.

أمبرطو إيكو (مبتسما بحكمة) : إنها تيهنا الذي يصنع خلاصنا…

تلاشى ثعلب السيمياء بعد رد إيكو، وتلاشى الحوار الهادىء، وذاب الكل في أروقة دهاليز المكتبة العامرة، كأن كلمات المحاورة استحالت وعلقت بين عبق غبار المكان ورفوف هذا الصرح الورقي…

(يتبع)

Leave a Reply

Your email address will not be published.