أثار تقرير نشرته صحيفة لو موند الفرنسية ضجة واسعة حين وصف المرحلة الراهنة في المغرب بأنها أقرب إلى “نهاية حكم الملك محمد السادس”. التقرير، الذي تطرق إلى غياب متكرر للملك عن المشهد الإعلامي وتنامي دور محيطه السياسي، فتح الباب أمام نقاشات حادة داخل الإعلام المغربي والعربي والدولي. لكن هل تعكس هذه القراءة واقعًا سياسيًا حقيقيًا أم مجرد تأويلات غربية اعتادت إسقاط فرضياتها على أنظمة الحكم في المنطقة؟
البعد التاريخي والسياسي
اعتلى محمد السادس العرش عام 1999، في لحظة انتقالية حساسة بعد وفاة الملك الحسن الثاني. خلال أكثر من ربع قرن من الحكم، حيث رسّخ صورة مغايرة نسبيًا لطبيعة السلطة الملكية، عبر الدفع نحو إصلاحات اجتماعية ودستورية، أبرزها دستور 2011 الذي جاء في سياق “الربيع العربي”. هذه الخلفية تجعل الحديث عن “نهاية الحكم” دون معطيات رسمية أقرب إلى الرغبة في بناء سردية سياسية مثيرة للجدل.
واقع الدولة المغربية
عمليًا، الدولة المغربية لا تظهر مؤشرات فراغ سلطوي. المؤسسة الملكية لا تزال تمارس أدوارها الجوهرية: الخطابات الملكية الدورية، إطلاق المشاريع التنموية الكبرى، وإدارة الملفات الدبلوماسية الحساسة (خصوصًا ملف الصحراء والعلاقات مع أوروبا وإفريقيا). على المستوى الاقتصادي، المغرب واصل خلال الأعوام الأخيرة تعزيز بنيته التحتية: ميناء طنجة المتوسط، مشروع الطاقات المتجددة في ورزازات، وقطار البراق فائق السرعة. هذه الإنجازات لا تعكس دولة على أبواب انهيار أو نهاية عهد.
الخطاب الفرنسي: سياق وسرديات
الصحافة الفرنسية لطالما تعاملت مع المغرب بزاوية مزدوجة: من جهة، كشريك استراتيجي في مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، ومن جهة أخرى، كنظام ملكي تقليدي تحكمه ديناميكيات مغلقة. لذلك فإن أي تراجع في الظهور الإعلامي للملك يتحول إلى مادة لتغذية فرضية “الانكماش السياسي” أو “نهاية الحقبة”. هذه المقاربة تفتقر إلى منظور داخلي يفهم طبيعة النسق السياسي المغربي، حيث تلعب المؤسسة الملكية أدوارًا رمزية ومؤسساتية متشابكة.

ردود فعل الصحافة المغربية
الصحافة المغربية تعاملت مع ما نشرته لو موند بكثير من التحفظ والانتقاد. صحيفة الأحداث المغربية وصفت الطرح الفرنسي بأنه “مُسَيَّس يفتقر إلى الفهم العميق لطبيعة المؤسسة الملكية المغربية”، مؤكدة أن الملك محمد السادس ألقى خطابه في ذكرى اعتلائه العرش وأعلن عن برامج اجتماعية واقتصادية جديدة، ما ينفي أي فراغ في السلطة. في المقابل، اعتبرت هسبريس أن مثل هذه المقالات تكشف “نزعة استشراقية قديمة” لدى الإعلام الفرنسي في التعاطي مع المغرب، حيث يُختزل النظام السياسي في حضور الملك الإعلامي فقط.
الموقف العربي
أما على الصعيد العربي، فقد تناولت صحف كبرى مثل الشرق الأوسط والقدس العربي الموضوع بدرجات متفاوتة. بعض التحليلات رأت أن “لو موند” أعادت إنتاج خطاب طالما استُخدم ضد أنظمة ملكية عربية، بينما ذهب آخرون إلى أن غياب الملك لفترات طويلة عن الأنشطة الرسمية يفتح بالفعل باب التساؤل حول آليات صناعة القرار في المغرب. رغم ذلك، ركزت معظم التحليلات العربية على استمرار استقرار الدولة والمؤسسات الدستورية وعدم ظهور أي مؤشر على انتقال للسلطة.
ردود الفعل الدولية
على المستوى الدولي، جاءت القراءات أكثر تباينًا. صحف بريطانية مثل فايننشال تايمز ربطت التقارير الفرنسية بالأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين باريس والرباط، معتبرة أن الإعلام الفرنسي يوظف الخطاب السياسي لتصفية حسابات مرتبطة بملف الصحراء والتقارب المغربي مع واشنطن ومدريد. بينما وصفت إل باييس الإسبانية التقارير بأنها “مبالغات صحافية لا تعكس واقع دولة تعزز استثماراتها وتوسّع حضورها الإقليمي”. أما الصحافة الأميركية فكانت أكثر تحفظًا، مكتفية بالإشارة إلى أن الملكية المغربية ما زالت الضامن الأساسي للاستقرار في شمال إفريقيا.
بين السردية الفرنسية والواقع المغربي
اللافت أن الإعلام الفرنسي تبنى خطاب “الأفول السياسي” دون الاعتماد على معطيات رسمية أو مؤشرات دستورية، بل استند أساسًا إلى مشاهد رمزية وصور متداولة. بينما الواقع يظهر أن المؤسسة الملكية مستمرة في أداء وظائفها: إطلاق المشاريع الكبرى مثل ميناء طنجة المتوسط والطاقات المتجددة في ورزازات، والانخراط في ملفات دبلوماسية حاسمة أبرزها الدفاع عن وحدة التراب الوطني.
المجتمع والشرعية
ما يغيب عن هذه التغطيات هو علاقة الملك بالمجتمع المغربي. رغم الانتقادات الاجتماعية والاحتجاجات القطاعية، لا يزال محمد السادس يحظى بشرعية قوية قائمة على رمزية “أمير المؤمنين”، وعلى كون المؤسسة الملكية الضامن الأول لوحدة التراب الوطني. في ظل غياب بدائل مؤسسية واضحة، تبقى هذه الشرعية عنصرًا حاسمًا يبعد سيناريو “الفراغ السياسي”.
من خلال تتبع التغطيات المختلفة، يتضح أن الحديث عن “انتهاء حكم محمد السادس” يظل أقرب إلى السردية الإعلامية الفرنسية منه إلى الواقع السياسي المغربي. ردود فعل الصحافة المغربية والعربية والدولية تعكس في مجملها هذا التباين، والنتيجة هي أن المؤسسة الملكية ما زالت تمثل العمود الفقري للدولة، فيما يبقى الجدل الإعلامي الخارجي جزءًا من لعبة التوازنات بين المغرب وشركائه التقليديين.

Leave a Reply