(الجزء الأول) الثعلب يلاقي ثعلب الكيتسونه
1.
لم يكن الليل صحراويًا خالصًا.
كان شيئًا آخر؛ مزيجًا من بردٍ لا يشبه برودة الصحراء، وظلّ قمرٍ لم يكن عاديًا. ضوءه كان يميل إلى الزرقة، كأنه يُرى من قاع بحرٍ بعيد.
الثعلب الجالس على الكثيب لم يرفع رأسه. أدرك أنه ليس وحيدًا قبل أن يسمع وقع خطوة أو يلتقط أثر رائحة. شعر بأن الرمال توقّفت فجأة عن الحركة، وأن الريح انقطعت، حتى صرير الجندب البعيد خفت كأنه انحنى للصمت. وكأن المكان نفسه يهمس: انتبه… شيء ما قادم.
ثم جاء الصوت.
لم يصدر من اتجاه محدد، بل انبعث من كل الجهات، كأن الأرض تتكلم:
“أنت تجلس على عظام إمبراطورياتٍ أفلت، وأخرى لم تولد بعد.”
رفع الثعلب رأسه ببطء.
لم يكن أمامه ثعلب آخر، بل ظلّ على هيئة ثعلب، يقف على قائمتيه الخلفيتين كإنسان. وخلفه، تسعة ذيول تتلوى، ينتهي كل واحدٍ منها بعينٍ مفتوحة لا ترمش.
الكيتسونه.
قالها الثعلب الصحراوي في نفسه قبل أن ينطقها. عرفه فورًا؛ فمن يجهل أساطير الشرق البعيد؟
“قطعت مسافة طويلة”، قال بهدوء، لا يخلو من سخرية خفيفة. “ألم تجد غابة أقرب؟”
لم يضحك الظل. تحرّك قليلًا، فانزلقت الذيول خلفه كأردية ملك.
“الغابات كلها تحترق، يا سيدي. أو نسيت؟ أنتم، في هذه الرمال، أحرقتم غاباتكم منذ ألف عام. لم يبقَ لنا سوى الصحراء… والثلج.”
“إذن جئت تطلب اللجوء؟”
“لا.” جاء الرد حاسمًا. “جئت لأن مرآتك لا تعكسني… وهذا أمر نادر.”
2.
انسلّ الكيتسونه من الظل إلى الجسد.
لم يكن التحوّل فجائيًا، بل بدا كصورةٍ تتكثف من ضباب. ظهر ثعلب أبيض، متوسط الحجم، لكن عينيه كانتا أعمق من أي عين رآها الثعلب الصحراوي. لونهما كهرماني، غير أنهما لا تعكسان الضوء… بل تبتلعانه.
جلس قبالته، على مسافة ذراعين. بينهما حفرة صغيرة في الرمل. أشار إليها وقال:
“هذه بئر. لا ترى فيها ماءً، لكن إن جلست ألف عام تحدّق فيها، سترى وجهًا ليس وجهك.”
“لا أملك ألف عام.”
“بل تملك أكثر. تملك وقتًا لا يمر. ولهذا جئت إليك.”
ساد صمت طويل. عادت الريح ببطء، كأنها تستأذن قبل أن تلامس فراءهما.
“دعني أخبرك شيئًا”، قال الثعلب الصحراوي. “في ثقافتنا، لا نعبد الثعالب، بل نتعلّم منها. هي في حكاياتنا جبانة وماكرة، لكنها تنجو… دائمًا تنجو. وهذا هو الاحترام الحقيقي: أن تعترف بأن المكر أحيانًا أسمى من الشجاعة.”
“أما نحن”، رد الكيتسونه، “فنرى الثعلب رسولًا. كائنًا يمشي بين العالم المرئي والخفي. لا نختار أن نكون ثعالب؛ العالم هو من يختارنا حين يحتاج إلى وسيط.”
“ومن الوسيط اليوم؟”
“أنت… وأنا. هذا اللقاء.”
3.
فجأة، بدأ الكيتسونه يحفر في الرمل بمخلبه، بحركة دقيقة أقرب إلى عمل جرّاح. رسم دائرة صغيرة، ثم قال:
“سأريك شيئًا لا تراه عيناك عادة.”
نظر الثعلب الصحراوي داخل الدائرة.
لم يرَ رمالًا.
رأى مدينة.
مضيئة بالكامل، لكنها خالية. شوارع صامتة، سيارات مصطفة، أضواء تعمل… ولا إنسان واحد.
“أين هذا؟”
“المستقبل القريب. مدينة بعد ثلاث سنوات. لم تُدمّرها حرب ولا زلزال… بل اختفى أهلها لأنهم صدّقوا أن العالم الرقمي يكفيهم.”
“وما علاقتي بهذا؟”
“أنت تحرس العظام، وأنا أحرس الأرواح التي غادرت أجسادها. نحن نفعل الشيء ذاته… نختلف فقط في الأسماء.”
صمت الثعلب الصحراوي. ظل يحدّق في المدينة الخالية، وشعر بشيء يشبه الحنين… إلى شيء لم يفقده بعد.
“أغلقها.”
بضربة خفيفة من ذيله، اختفت الرؤية، وعادت الرمال كما كانت.
4.
“لنختم بسؤال واحد”، قال الكيتسونه، وقد توهجت عيونه بهدوء.
“اسأل.”
“هل الخداع رذيلة أم فضيلة؟”
ابتسم الثعلب الصحراوي، ابتسامة شابها حزن خفيف.
“في الصحراء، السراب ليس خداعًا… بل حقيقة تظهر بشكل مختلف. من يموت عطشًا لأنه ظن أن الماء بعيد، لا يموت بسبب السراب، بل بسبب يقينه الخاطئ.”
“إذن الحقيقة نسبية؟”
“الحقيقة الوحيدة المطلقة… أننا سنلتقي مجددًا.”
نهض الكيتسونه أولًا، وقال:
“في بلادي، لا نقول وداعًا… بل نقول: حتى نلتقي في حلمٍ لم نحلمه بعد.”
ثم تلاشى… كضوءٍ انطفأ فجأة.
بقي الثعلب الصحراوي وحده. نظر إلى البئر. لم يرَ وجهه… بل رأى تسعة أذيال تلوّح له من بعيد.
همس:
“حسنًا… فلنلعب.”
يتبع…
“الظل ذو التسعة ذيول: من يرسم خريطة الغابة؟”

Leave a Reply