افتتاحية الثعلب (38)

افتتاحية الثعلب (38)

افتتاحية الثعلب بين عتبات الفصول

حين تكتب الورقة الأخيرة قصيدة الوداع وهي تسقط من علياء الشجرة، يبدو الكون كأنه شاعر متشبث بقصائده التي يدوزنها على أبيات الأغصان، يبدو ككاتب يأبى إلا أن يطالعنا بفصل روايته الأخير، كأنه شهيق نفس أخير، من قربان الوداع. وأنا أتفيأ مكانا لي في المرابي وفي طرقات الغاب، وبين التفافات النهر والجداول، وبين صخب الأهالي وهم يدبون في أراضيهم المجاورة يستعدون لفصل فلاحي جديد، أتلمس في باحات المكان هواء، تصلني همهمات الريح، رقيقة كالهمس، متشجعة بلطفها على خيشومي، تترنح بإحساس خفي، الورقات أيضا تترنح معها ساقطة كأنها تقبلت خاتمة الحياة، وصارت جزء من أديم الأرض التي احتضنتها منذ اليوم الأول، عود على بدء.

في خضم هذا الوداع، أجدني أردد مع الطبيعة لحن الفصول، قطعة موسيقية تأتي مع ثوب الخريف الجديد، تتكرر كل سنة مع ألوان متدرجة لافتة، وبرودة هواء تلامس روحك وكل الأرواح التي تضج في المكان.

أراني أحملق طويلا في المروج، وشكل الغابة، وهي تفقد نضارتها التي عودتنا، تتهيأ بهيبة للوحات زيتية جديدة، مزدانة بتدرجات من الأصفر والأحمر والبرتقالي، في عرض راقٍ، يروق السماء المتعبة بين الزرقة والبرتقالي الخجول، الكل يودع الزمن بنعومة.

الورقات تتساقط الواحدة تلو الأخرى كقصائد مكتوبة على جدران الزمن، حاملة معها ذكريات الصيف والربيع. الجمال ههنا مختلط بالحزن والفرح، هو جمال خاص وفريد لا يتكرر.

في كل مرة أجدني أتمتم بكلمات الوداع، لصيف ولّى وخريف قادم، وفي هذه الوداعية أجدني أتطلع بين لحظاتها متطلعا للمستقبل، إلى الحياة الجديدة، إلى التجدد، فمن لا يتجدد يتبدد، جمال محكوم بالقسوة، والقسوة محكوم عليها بالجمال أيضا. إن في ذلك لعبرة للناظرين!

Leave a Reply

Your email address will not be published.