افتتاحية الثعلب (31)

افتتاحية الثعلب

حين يصاب الضمير الجماعي بالدُّوار

في هذه اللحظات من التحولات والتبدلات الكبرى التي نشهدها، ما نراه حقا هو صراخ عام للشعوب من الألم، إنه صراخ التيه الجماعي. يقال في الأمثال اليابانية القديمة : “الثعلب لا يضل الطريق، بل يضل غيره”، ومثل هذا الحكم والقول منطبق على أمم كاملة، تتبع الذين يسوسونها نحو العمى والمجهول، مثل الحكاية التي نعرفها جميعا حينما اتبعت قطعان الغنم ذئبا فقط، لأنه يلبس الصوف.

أما في واقعنا العاري اليوم، أصبح من العسير التمييز بين الخوف المشروع والخضوع والخنوع الإرادي، فبين ذلك الكثير من الناس ممن يطلب النجاة ومن يستلذ ويستطيب ويستكين الذل والمهانة. إننا أمام لحظات فارقة في التاريخ البشري حينما نقف في مفترق الطرق ونحن نعيش على أعتاب ما أسماه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي “زمن الوحوش”، وبعبارة راسخة في التاريخ شرح ذلك بالقديم الذي لم يمت بعد، والجديد الذي لم يولد، وفيما بينهما تولد الكوابيس.

لا يخفى على أحد اليوم أن الوطنية أصبحت مثل التجارة، وأن الذاكرة الجماعية أصبحت حكرا على جماعة معينة وبرواية واحدة، فأصبح الضمير الجماعي مصابا بالدوار، ومرد ذلك لا لأن الشعوب جاهلة أو غير واعية، بل لأنها منهمكة، منهكة في المعارك اليومية الضارية بين معادلة طرفاها لا يستقيمان بسهولة : لقمة العيش وحرية الكلمة.

ونحن إذ نعيش في عباب هذه الفوضى، يتوجب علينا كأفراد وجماعات أن نعيد النظر في مفاهيم أساسية، ربما قد تبدو سهلة لكنها في عمقها عويصة؛ مثلا ماذا يعني أن تكون مواطنا؟ ما دور الصحافة حين تصبح بصفتها “سلطة رابعة” سلطة تابعة أو جزء من السلط الثلاث الأولى؟ عل هناك أمل في يقظة فكرية تنبعث من الهامش، أي الهامش الثقافي، من الشعراء والمترجمين والمربين والفلاحين، من النساء في البيوت، من العقول الشابة في الهامش الرقمي إن صح القول.

إن الضمير الجماعي شأنه شأن ثعلب الكيتسونه الياباني في تمثلاته، يجب أن يتمثل بكل عصر، بحيث يجب أن يتنكر، يتخفى، يخدع، إنه رمزية لا تستأصل، وتجديده لا يأتي من أعلى في الغالب، بل من صحوة الإنسان تجاه ما يراه ويعيشه، بل مما يحفره في الصخر، وما يحمله من سلاح الوعي والانتباه، وفي إيجاد صوته الخاص في زمن الضجيج. الضمير الجماعي هو إيجاد طريقة للتوازن بين حياتنا الخاصة والعامة، وبين أهدافنا الفردية والمجتمعية. والأسمق في كل ما سبق، هو تجديد الضمير، وتنقية الأفكار، وتعزيز القيم.

إنها رحلة شاقة لتجديد الضمير الجماعي، واستيلاد أبطال جدد حقيقيين، قادرين على التغيير والتأثير والتأطير، قادرين أيضا على جعل العالم مكانا أفضل، وأكثر عدالة ومساواة، وقوة دافعة نحو التغيير الإيجابي.

Leave a Reply

Your email address will not be published.