في صباح مشحون ومكفهر بالأسئلة السائلة، صدف مروري حذو شجرة وحيدة نابتة في الهناك بقرب صخور رمادية، تحشو الصلابة في داخلها، تبرعمت بقربها تلك الشجرة المثمرة، فتسائلت كيف لهذه الصلابة أن تعيش جنبا إلى جنب الرقة والخصوبة والنضارة. وقفت شاهدا متأملا أراقب هذا الحنو، وقفز السؤال إلى نفسي خلسة دون استئذان: ترى هل تنمو تلك الجذور الممتدة لأن أديم الأرض يستقبلها بحب وفرح، أم أنها تسرح في الغيابات مثلما أسرح أنا في البراحات، أم أنها تعيش رافضة للذبول والأفول في صمت ومن دون أن ينتبه لها أحد؟
في الطبيعة الغناء، الكل يعبر عن نفسه وكينونته ووجوده بطريقه الخاص، يعبر عن ذلك بكل عفوية حيوانية ونبيتية، لا أحد هنا يضطر إلى تبرير ذلك الوجود، كأن الجميع يعرف طريقة الرقص مع الريح، والاستحمام بماء المطر، ومناغاة شعاع الشمس. لا أحد هنا إطلاقا يطلب من العالم إذنا بأن يكون هو “هو” حقا، نكون هنا كما نحن! نحن قطع متجاورات تلم شتاتها في هذا التنوع العجيب والمعقد والدقيق.
حينما ترى النملة تسير عكس فريقها وسربها، هي في الحقيقة لا تشذ عن الطريق، بل تجدها باحثة دون كلل عن طريق جديد، أو سبيل لبني جلدتها لم يكتشف بعد. أقول حينها لنفسي: إنك لتجد الواحد منا يسير مع القطيع فقط لأن الطريق عامر ومأهول وبه كثرة السالكين، عبثا وفرضا لو كان الطريق غير سالك، أو أن الهدف غير واضح؟ كم مرة نتحدث عن حرية زائفة ونحن نمشي في نفس الدروب والزقاقات والطرق، ونظن أنفسنا أحرارا بينما نحن مقيدون بأصفاد التقليد التي لا ترى؟
جبت الربى ووصلت حذو جدول صغير، انعكست صورة وجهي على صفحته المائية الشفافة. تذكرت حينا أيام كنا نغتسل في الأنهار وفي الطين نحن معشر الثعالب. نحب البلل بالماء الصافي والماء الطيني، فقلت : هل ما نراه في صفحة الماء هو حقيقتنا المزيفة، أم أن الحقيقة لا تنعكس أصلا؟ وهل نحن نرى أنفسنا حقا، أم أننا نرى انعكاسات مشوهة لحقيقتنا، ولما نريد حقا أن نكون عليه؟
في هـذي الطبيعة لا مكان للضجيج، لا شيء يصدر عنه صوت خارج قانون الغاب، هنا كل شيء يقال ببلاغة الصمت والصوت. الحكيم لا يصرخ، بل هو صمت شبيه بزهرة جميلة تنبت في مكان يراه فيها من يقدر جمالها. هنا الجبل الشامخ لا يغير مقامه، لأنه اختار الثبات في عالم متحول، والحياة اختيار أيضا.
في صميم قلبي، نحن لا تحتاج إلى الأجوبة بقدر حاجتنا الملحة إلى السؤال، إلى أسئلة صادقة. ما الذي يجعلنا نعيش؟ وما الذي يحملنا على الرغبة في الاستمرار في العيش؟ ما محددات اختيار الطريق والزمان والمكان بين ثبات وتحول ؟
أعود أدراجي ألملم شتات الأسئلة الجوانية، أدون كل ما خطر في ذهني من تساؤلات، أفشل كثيرا في تلقي الإجابات، بيد أنني أشعر أنني في كل مرة أستمتع بتلقي درس كامل في القسوة… قسوة العثور على الإجابة، كأنني أحاور حجرا لا يتكلم.

Leave a Reply