الظل ذو التسعة ذيول: من يرسم خريطة الغابة؟ (الجزء الثاني)
لم يعد الأمر يتعلق بالأساطير؛ فالرمل الذي كان تحت أقدام “الثعلب الصحراوي” بدأ يبرد بشكلٍ حاد، كأن معدناً غريباً يُصبُّ في جوفه. الكيتسونه لم يعد طيفاً متلألئاً، بل ظهر هذه المرة بملامح أكثر حدة، فراء أبيض يشوبه رماد الحرائق، وعيون لا تنظر إلى النجوم، بل تمسح الأرض كأجهزة الرادار.
“الخريطة التي تحفظها في ذاكرتك لم تعد صالحة،” قال الكيتسونه وهو يغرس مخلبه في الأرض، ليس ليحفر بئراً هذه المرة، بل ليشق خطاً طويلاً يفصل بين الكثبان. “أنت تظن أنك تعرف حدود غابتك وصحرائك، لكن الحقيقة أن من يملك ‘الخيوط’ هو من يعيد رسم التضاريس.”
نظر الثعلب الصحراوي إلى الخط الذي شقه الكيتسونه. لم يكن مجرد أثر في الرمل، بل كان جرحاً ينزف بياناتٍ سوداء. “نحن نعيش على الأرض، لا على الخرائط،” رد الثعلب بصوتٍ جاف كخشب الأرز القديم. “الخرائط يرسمها الجالسون في الغرف المكيفة، أما الغابة فيعرفها من تدمت أقدامه بأشواكها. ذيولك التسعة هذه.. هل هي مجرد هوائيات لالتقاط إشارات الأسياد البعيدين؟”
ضحك الكيتسونه، وكانت ضحكته تشبه صرير الأسلاك الشائكة تحت الريح: “الأسياد البعيدون يرحلون، يا صديقي. ألم ترَ الطائرات التي غادرت القواعد عند الفجر؟ إنهم يتركون لك الخريطة ممزقة، ويتركون لي الغابة وهي تحترق. كل ذيل من ذيولي هو ‘طريق نفوذ’ جديد. واحد يمتد نحو موانئ الشرق، وآخر يلتف حول آبار النفط، والثالث يغرس مخالبه في عقول الصغار عبر الشاشات. السؤال ليس من يملك الأرض، بل من يملك ‘التعريف’ الجديد لهذه الأرض.”
اقترب الثعلب الصحراوي حتى تلاقت أنفاسهما؛ حرارة الصحراء وبرودة التكنولوجيا. “إذن أنت هنا لتضع حدوداً جديدة؟” سأل الثعلب بلهجة حاسمة. “أنا هنا لأخبرك أن الغابة لم تعد غابة،” أجاب الكيتسونه وهو يشير بذيوله التسعة نحو الأفق حيث بدأت تظهر أعمدة دخان لمصانع وسفن عملاقة لا تنام. “لقد تحولت إلى ساحة انتظار كبيرة. ومن لا يرسم خريطته بيده، سيمحوه الممحاة في يد غيره.”
استدار الكيتسونه، وبدأ جسده يثقل، كأنه يتحول إلى حجر أو معدن صلب. “في الحلقة القادمة،” همس وهو يغادر، “سنتحدث عن ‘الذيل الثالث’: عن التجارة التي تقتل الروح، وعن السفن التي تحمل الذهب وتترك خلفها الملح. هل أنت مستعد لترى من يشتري ظلك وأنت واقف؟”
بقي الثعلب وحيداً، ينظر إلى الخط المشقوق في الرمل. لم يعد يثق في سكون الليل، فخلف هذا الصمت، كانت هناك أقلامٌ غريبة ترسم حدوداً لم يستشر فيها أحداً.
(يتبع)

Leave a Reply