افتتاحية الثعلب (28)

افتتاحية الثعلب (28)

في غياهب الغاب، تتشابك الأشجار تشابك أغصانها وورقاتها ووريقاتها، وكذا الظلال مع النور، أجد نفسي حيال هذا التشابك الطبيعي، أنا الثعلب، في رحلة تجوال يومية عبر عوالم الطبيعة الغناء التي سادت بجمالها عبر السنين المتعاقبة، وأسمع همس الرياح كأنها تحمل أسرار الطبيعة بكاملها بين هوائها الذي يجول في الآفاق والأكناف.

أمشي بخفة حيث أريد أن أبلغ مبلغي، أتسلل بين الأشجار حيث عالمي بين الظهور والاختفاء، وأستكشف عوالم جديدة في كل مرة حيث تصل مخالبي وأنيابي. أرى العصافير في كل مرة تراني فارة إلى بعيد حينما تحط على الأرض، والفراشات الملونة المزهوة أيضا، وأرانب الجوار، وكل ما يدب، إنها حين تشعر بالحرية في التجوال، تعلم أن حريتها غالية، لذلك فكل من في الغاب حريص على بقائها، فالحرية في حضرة الغاب هي القدرة على التحكم في لعبة صراع البقاء.

في معظم الرحلات والتجوالات، ألتقي بحيوانات الغاب، فكل واحد منها به قصته المختلفة، خلدها أجداده من بني جلدته بمغامرات في الحقول وبين الأشجار وفي الكهوف والمغارات والجبال والأنهار وبين الصخور وفي عمق البرية. فهنا تستطيع أن ترى الخنازير البرية السريعة التي تُغير على الحقول، وحكايات الذئاب التي تصارع بنادق الصيادين والكلاب المدربة في الليالي المظلمة، فالكل يتعلم هنا فنون البقاء وحدود السيطرة.

حينما أجول في كل مرة، كأني أكتب بقلم خطواتي على أوراق الشجر، وأخط رحلاتي وقصصي في فضاء الغاب وعلى حواف الأنهار، أرى العالم من منظور عالم الوحيش والنبيت، حيث كل شيء ممكن في حدود أن يصير حقيقة.

إن رحلة الثعلب في الغاب وما سواه من مخلوقات الطبيعة، هي هذا التحالف بين السحر والجمال، بين هبوط وصعود، بين قوة غاشمة وبين ضعف شبه مطلق. هنا حيث يمكن للحيوانات أن تعبر فيه عن فن الحياة، وهنا تخلد حكايات فريدة، هنا حيث تختبىء قصص الحيوان خلف الأشجار الباسقات، مثلما تخفي الكلمات المعاني بين السطور، هنا حيث تتنفس الشخصيات وتعيش، بين الأدغال وحراس الماضي من الأشجار والفيلة الجوالة كما يقول قانون الغاب.

Leave a Reply

Your email address will not be published.