لماذا يجب أن تقرأ رواية استيبانيكو أو المغربي مصطفى الأزموري الذي اكتشف أمريكا أولا؟

لماذا يجب أن تقرأ رواية استيبانيكو أو المغربي مصطفى الأزموري الذي اكتشف أمريكا أولا؟

استعادة صوت منسي في زخم السرديات الكبرى

في زمن تتسابق فيه السرديات الكبرى على تشكيل وعينا بالتاريخ، وبينما ينشغل العالم بالذكرى الخمسمائة والثلاثين لـ “اكتشاف” كريستوفر كولومبوس لأمريكا، تأتي رواية “استيبانيكو: الطريق إلى سيبولا” للكاتب المغربي محمد البوعبيدي لتقلب الطاولة على هذا التقويم الاستعماري. فبين صفحات هذا العمل الأدبي الصادر عن منشورات المتوسط في ميلانو عام 2025، يعيد البوعبيدي الاعتبار لشخصية مغربية شبه منسية في المخيال التاريخي الغربي: مصطفى الأزموري، أو “إستيبانيكو” كما عرفه الإسبان، ذلك العبد المغربي الذي تحول إلى مستكشف أسطوري في قلب القارة الأمريكية قبل خمسة قرون.

ما يجعل هذه الرواية قراءة ضرورية ليس فقط قيمتها الأدبية العالية، بل قدرتها على إعادة طرح سؤال الهوية والانتماء والاستعمار من زاوية لم نعتدها: زاوية المقهورين أنفسهم الذين تحولوا، بقوة الظروف وبحس البقاء، إلى فاعلين في التاريخ الذي كُتب ضدهم. ففي عصر تعيد فيه الجامعات الغربية مراجعة مناهجها التاريخية تحت ضغط تيارات “إنهاء الاستعمار المعرفي”، تبرز رواية مثل “استيبانيكو” كشاهد حي على أن التبادل الحضاري بين الشرق والغرب لم يبدأ مع العولمة الحديثة، بل كان حاضراً قبل أن تطأ قدم كولومبوس شواطئ البهاما.

ملخص الرواية: من أزمور إلى سهول أمريكا الشاسعة

تحكي الرواية قصة “سعيد بن حدو” (الاسم الذي يطلقه البوعبيدي على بطله)، المولود في مدينة أزمور المغربية على ساحل المحيط الأطلسي حوالي عام 1503. ينتمي سعيد إلى عائلة متواضعة، لكنه يتمتع بذكاء حاد ولغة متقدة. في عام 1520، تضرب المجاعة البلاد، وتباع أرواح الفقراء في أسواق الرقيق، ليجد سعيد نفسه مبيعاً كعبد لتاجر برتغالي، ثم يُعاد بيعه في إشبيلية ليصبح ملكاً للدون “أندريس دورانيتس”، وهو نافذ إسباني يكتشف فيه مواهب نادرة في تعلم اللغات والطب الشعبي.

يرافق سعيد سيده في رحلة استكشافية إلى فلوريدا ضمن حملة “بانفيلو دي نارفاييز” عام 1527، وهي رحلة كتب عليها الفشل منذ البداية. وبعد أن يموت معظم الإسبان غرقاً أو جوعاً أو على أيدي قبائل الهنود، ينجو سعيد وأربعة آخرون بأعجوبة، ليقعوا في أسر قبيلة “الكرانكاوا” الساحلية.

هنا يحدث التحول الجذري: لا يكتفي سعيد بالبقاء على قيد الحياة، بل يستخدم معرفته بالأعشاب والطب الشعبي المغربي ليعالج مرضى القبيلة، مما يجعله يحظى باحترامهم ويطلقون عليه لقب “الطبيب الروحاني”. وبعد سنوات، يتحول إلى “ابن للشمس” – وهو منصب شبه إلهي – ويدخل في صراع مع الشامان التقليديين. ثم يقرر الانطلاق نحو الغرب بحثاً عن مدن الذهب الأسطورية “سيبولا” التي سمع عنها من تجار الهنود.

الرواية تتبع رحلة سعيد عبر صحراء “سونورا” وجبال أريزونا ونيومكسيكو، حيث يصبح أول إنسان من أصل إفريقي (ومن العالم القديم) تطأ قدمه هذه المناطق الشاسعة قبل أي مستكشف أوروبي آخر. في النهاية، يصل إلى “مدن الذهب” التي يكتشف أنها ليست ذهباً بالمادي، بل ثقافة زاهية وقبائل عريقة.

من هو مصطفى الأزموري (إستيبانيكو) حقيقةً؟

لم يخلق البوعبيدي شخصيته من العدم. فمصطفى الأزموري (المعروف باسم “إستيبانيكو” أو “إستيبانيكو دورانتيس” نسبة إلى سيده) هو شخصية تاريخية موثقة في أكثر من مصدر إسباني وعربي. ولد في أزمور حوالي عام 1500، ووقع في الأسر إثر مجاعة اجتاحت المغرب. وصل إلى فلوريدا مع حملة نارفاييز، وبعد أن تم أسره من قبل الهنود، تعلم لغاتهم وعاداتهم، واكتسب سمعة كـ “طبيب روحاني” بفضل معرفته بالطب التقليدي المغربي الذي يجمع بين الأعشاب والطقوس الروحية.

في عام 1539، اختاره المستكشف الإسباني “فراي ماركوس دي نيثا” ليكون دليلاً في رحلة للبحث عن “مدن الذهب السبع”. لكن إستيبانيكو سبق المجموعة الرئيسية ووصل إلى مدينة “هاويكو” (في نيومكسيكو الحالية) حيث قُتل على يد السكان المحليين في ظروف غامضة. بعض الروايات تقول إنه اغتيل لأنه طلب نساء القبيلة، بينما يرى باحثون معاصرون أنه قُتل لأنه أصبح قوياً جداً ونافذاً لدرجة أن الإسبان شعروا بالتهديد من شعبيته بين الهنود.

سر إستيبانيكو لم يقتصر على كونه “عبداً أصبح مستكشفاً”، بل في كونه أيضاً “مترجماً ثقافياً” حقيقياً: لقد فهم أن البقاء في عالم الغير يتطلب تعلم لغتهم، واحترام آلهتهم، واستخدام معرفته دون استعلاء. هذه الحكمة جعلته ينجو حيث مات مئات من الإسبان، وجعلته نموذجاً مبكراً لما يمكن تسميته بـ “المواطن العالمي” قبل أن يصبح للمصطلح وجود.

لماذا الرواية مهمة اليوم؟ إليك ثلاث إجابات

أولاً: لأنها تكسر السردية الكولومبية الأحادية

لا تهدف الرواية إلى استبدال “كولومبوس” بـ “إستيبانيكو” كبطل بديل، بل إلى تعقيد السردية. فما حدث في أمريكا لم يكن مجرد “اكتشاف” أوروبي، بل كان لقاحاً عنيفاً بين عوالم متعددة: أوروبية، إفريقية، أمريكية أصلية، وحتى عربية إسلامية عبر شخصيات مثل الأزموري. إحياء ذكرى هذا الرجل هو إحياء لفكرة أن التاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط، بل أيضاً الضحايا الذين تحولوا إلى فاعلين.

ثانياً: لأنها تعيد تعريف “البطل” في أدب ما بعد الاستعمار

في الأدب الاستعماري الكلاسيكي، البطل هو الأوروبي الشجاع الذي يواجه بربرية “الآخر”. في أدب ما بعد الاستعمار، البطل غالباً هو الضحية النقية. أما رواية البوعبيدي فتقدم نموذجاً ثالثاً: بطل هجين، ليس أوروبياً ولا أمريكياً أصلياً، بل “متوسطي” بامتياز، يحمل في جسده ودماغه تراكمات ثقافية متعددة، ويستخدمها للبقاء والتأثير. هذا البطل الغامض، الذي لا تنتمي ولاءاته لأي طرف بشكل كامل، هو أقرب نموذج لعالمنا المعولم اليوم.

ثالثاً: لأنها تقدم درساً في “فن البقاء”

في زمن الأزمات المتتالية – حروب، لاجئون، أوبئة – تقدم رواية “إستيبانيكو” درساً في البقاء لا يقدر بثمن: لا تيأس، تعلم لغات الآخرين، افهم ثقافاتهم، استخدم معرفتك المتواضعة بذكاء، لا تتصالح مع الظلم لكن لا تنتحر في مواجهته، وانتظر لحظتك. فلسفة البقاء هذه، التي تميزت بها شخصية الأزموري، هي ما جعلته يصل إلى مدن الذهب بينما مات رفاقه الإسبان في المستنقعات.

ما الذي يميز معالجة الروائي البوعبيدي؟

البوعبيدي ليس مؤرخاً، بل روائي. ولذلك فهو لا يلتزم بالوثيقة التاريخية حرفياً، بل يستخدمها كمواد خام لبناء عالم درامي. أبرز سمات معالجته:

اللغة: يمزج بين العربية الفصحى، الدارجة المغربية، والإسبانية القديمة، مما يعكس تعدد الهويات التي عاشها بطله.

السرد المتعدد: الرواية تتحرك بين صوتين: راوي عليم (شبه تقليدي) ومذكرات “سعيد” المزعومة، مما يخلق مسافة نقدية تجاه الأحداث.

التعليق الفلسفي: لا تخلو الصفحات من تأملات في معنى الحرية، العبودية، الإيمان، والخيانة. البوعبيدي يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات.

وقد لاقت الرواية إشادة نقدية واسعة منذ صدورها، حيث وصفها الناقد المغربي عبد الفتاح الحجمري بأنها “تستعيد للعرب والمغاربة صوتاً كان ضائعاً في ضجيج التاريخ الأوروبي”. فيما رأت فيها الكاتبة الإسبانية روزا ريجاس “جسراً ثقافياً بين ضفتين كانتا تعتقدان أنهما منفصلتان إلى الأبد”.

لماذا يجب أن تقرأها الآن؟

قد يظن البعض أن رواية عن عبد مغربي في أمريكا القرن السادس عشر هي “موضوع أكاديمي جاف”. لكن الحقيقة أن رواية “استيبانيكو” هي رواية عن الحاضر أكثر مما هي عن الماضي. إنها عن هويتنا الممزقة، عن السرديات التي نعيش فيها، عن الهجنة الثقافية التي أصبحت مصيرنا، وعن قدرة الإنسان – أي إنسان – على تحويل الهزيمة إلى بطولة.

في عصر يعود فيه الخطاب القومي الضيق إلى الواجهة في أوروبا وأمريكا، تذكرنا رواية مثل هذه بأن التبادل الحضاري لم يبدأ بالأمس، وأن العرب والمسلمين كانوا جزءاً من الحداثة الغربية قبل أن يتم محوهم منها عمداً. وإنصاف إستيبانيكو هو إنصاف لملايين “المستعربين” و”المستعمرين” و”العبيد” و”المهاجرين” الذين بنوا العالم الحديث بأيديهم لكن أسمائهم شُطبت من متاحفه.

اقرأ الرواية. ليس لأنها مغربية أو عربية أو إسلامية. اقرأها لأنها إنسانية، ولأن فيها من البطل ما لا تجده في بطون كتب التاريخ، ولأنها تمنحك – لو لحظة – رفقة رجل تعلم أن الحرية ليست حقاً يمنح، بل حالة تُبنى يوماً بعد يوم، خطوة بعد خطوة، حتى في أخفض درجات العبودية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.