السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي قبل انتخابات 2026 في المغرب
التحولات الإقليمية والدولية وانعكاسها على مستقبل المغرب بعد 2026
لا يمكن قراءة مستقبل الحكومة المغربية المقبلة بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، فالمغرب ليس جزيرة معزولة، بل دولة ذات امتداد جيوسياسي متنوع: إفريقي، متوسطي، أطلسي، وعربي-إسلامي. ومع اقتراب انتخابات 2026، تتقاطع مجموعة من التحولات الكبرى التي ستؤثر بشكل مباشر على موقع المملكة، وعلى قدرتها في صياغة سياسات متوازنة تحفظ المصالح الوطنية وتدعم خياراتها الاستراتيجية.

أولاً: شمال إفريقيا ومأزق العلاقات المغربية-الجزائرية
من أبرز التحديات التي ستظل مطروحة هو استمرار التوتر مع الجزائر. فمنذ قرار الأخيرة قطع العلاقات الدبلوماسية في غشت 2021، دخل البلدان في مرحلة من الجمود السياسي المقرون بتصعيد إعلامي ودبلوماسي. ورغم محاولات الوساطة من أطراف عربية وإفريقية، فإن ملف الصحراء المغربية يبقى العائق الأساسي أمام أي تقارب.
أي حكومة مقبلة مطالبة بتبني خطاب وطني متماسك، يجمع بين التعبئة الداخلية والانفتاح الخارجي على الحلفاء الاستراتيجيين. وفي ظل تصاعد التنافس على النفوذ في منطقة الساحل والصحراء، يُتوقع أن يستمر المغرب في تعزيز حضوره عبر الاستثمارات والبنيات التحتية، مقابل رهان الجزائر على التحالفات الأمنية والعسكرية.
هذا الوضع قد يحول دون بناء اتحاد مغاربي فعّال، لكن في المقابل سيدفع المغرب أكثر نحو الانفتاح جنوباً وشرقاً، مما يعزز مكانته كجسر بين إفريقيا وأوروبا.
ثانياً: الاتحاد الأوروبي بين الشريك التقليدي والخصم المحتمل
الاتحاد الأوروبي يمثل الشريك التجاري الأول للمغرب، إذ يتجه إليه أكثر من 60% من صادرات المملكة. غير أن العلاقة بين الطرفين عرفت في السنوات الأخيرة بعض الاحتكاكات القانونية والسياسية، خصوصاً فيما يتعلق باتفاقيات الفلاحة والصيد البحري، وقضايا الهجرة وحقوق الإنسان.
الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بالعمل على تنويع الشراكات الاقتصادية لتقليل الاعتماد على أوروبا، دون التفريط في الامتيازات التي تمنحها السوق الأوروبية للمقاولات المغربية. وفي ظل الأزمات الداخلية للاتحاد (الحرب في أوكرانيا، أزمة الطاقة، صعود اليمين المتطرف)، قد يجد المغرب نفسه في وضع تفاوضي أكثر حساسية، ما يتطلب قدراً أكبر من الدبلوماسية الاقتصادية.
ثالثاً: الولايات المتحدة والتحالف الأطلسي
منذ اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء في 2020، تعززت الشراكة المغربية-الأمريكية لتشمل التعاون الأمني والاقتصادي. المغرب يُعد اليوم حليفاً رئيسياً خارج الناتو، ويشارك بانتظام في مناورات “الأسد الإفريقي”.
الحكومة المقبلة سيكون عليها مواكبة هذه الدينامية، خاصة مع تزايد التنافس بين واشنطن وبكين في إفريقيا. فالمغرب يُنظر إليه كقاعدة استراتيجية في شمال إفريقيا، سواء من حيث الاستقرار السياسي أو القرب الجغرافي من أوروبا. هذا الموقع يمنحه هامشاً للتفاوض، لكنه يضعه أيضاً أمام تحدي الحفاظ على الاستقلالية الاستراتيجية في قراراته الخارجية.
رابعاً: إفريقيا كساحة النفوذ الجديدة
إفريقيا جنوب الصحراء تشكل أحد المحاور الأكثر استراتيجية بالنسبة للمغرب. فمنذ عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، كثّف المغرب استثماراته في البنية التحتية، والمصارف، والاتصالات، والطاقات المتجددة. أي حكومة مقبلة مطالبة بالاستمرار في هذا التوجه، خاصة مع ارتفاع حدة التنافس الدولي على القارة، سواء من قبل الصين وروسيا، أو من قبل القوى الأوروبية التقليدية.
لكن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة المغرب على تقديم نفسه كـ”شريك تنموي” بدلاً من أن يكون مجرد لاعب اقتصادي. وهذا يتطلب سياسات متماسكة تشمل الدبلوماسية الدينية والثقافية إلى جانب المبادرات الاقتصادية.
خامساً: العالم العربي والرهان على الخليج
في المحيط العربي، سيظل التعاون مع دول الخليج أحد ركائز السياسة الخارجية المغربية. فهذه الدول تمثل مصدراً مهماً للاستثمارات والتحويلات المالية، إضافة إلى الدعم السياسي في المحافل الدولية. غير أن السياق الجيوسياسي في المنطقة (الحرب في غزة، التوترات الإيرانية-الخليجية) قد يفرض على المغرب تموضعاً أكثر دقة، يوازن بين الالتزامات التاريخية والمصالح الوطنية المباشرة.

سادساً: التحديات العالمية الكبرى
التحولات المناخية، وأزمة الطاقة، وتطور الذكاء الاصطناعي، كلها ملفات ستفرض نفسها على الأجندة الدولية. المغرب باعتباره بلداً متوسطياً يعاني من ندرة المياه وتزايد موجات الجفاف، سيجد نفسه مضطراً لاعتماد سياسات مبتكرة في مجال الأمن المائي والغذائي. كما أن رغبته في التحول إلى مركز إقليمي للطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، تجعله لاعباً أساسياً في المعادلات البيئية العالمية.
في ضوء هذه التحولات، يمكن القول إن الحكومة المغربية المقبلة لن تكون مجرد آلية لتدبير الشأن الداخلي، بل واجهة لمواجهة تحديات دولية عابرة للحدود. التوتر مع الجزائر، ضغوط الاتحاد الأوروبي، التزامات التحالف مع الولايات المتحدة، المنافسة في إفريقيا، وتحديات العالم العربي، كلها عناصر تجعل من السياسة الخارجية امتداداً حتمياً للسياسات الداخلية.
وبالتالي، فإن نجاح الحكومة بعد 2026 لن يُقاس فقط بقدرتها على تنزيل الإصلاحات، بل أيضاً بمدى قدرتها على إيجاد موقع متوازن للمغرب في نظام دولي مضطرب. إن التحدي الأكبر يكمن في أن تظل المملكة لاعباً فاعلاً، لا مجرد طرف متأثر بتقلبات الخارج.
(انتهى)

Leave a Reply