مغرب ما بعد ‘‘حكومة المونديال’’ وملامح الطريق نحو انتخابات 2026 (ملف : 3/4)

مغرب ما بعد ‘‘حكومة المونديال’’ وملامح الطريق نحو انتخابات 2026 (ملف : 3/4)

السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي قبل انتخابات 2026 في المغرب

مع اقتراب سنة 2026، تبدو الساحة السياسية المغربية أمام منعطف جديد يستدعي قراءة متأنية للسياق العام الذي سيؤطر الانتخابات المقبلة، وما يمكن أن يترتب عنها من تحولات في بنية السلطة التنفيذية والتحالفات الحزبية. فالمغرب، منذ دستور 2011، يعيش دينامية خاصة تقوم على توسيع مجال المشاركة السياسية مع الحفاظ على مركزية المؤسسة الملكية في ضبط التوازنات الكبرى. لكن هذه الدينامية لم تمنع من بروز إشكالات عميقة ذات طابع اقتصادي واجتماعي أثقلت كاهل المواطن، ما يجعل انتخابات 2026 محكومة بميزان حساس بين منطق الاستمرارية ومتطلبات التغيير.

أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو الهشاشة الحزبية التي ما زالت تطبع المشهد السياسي المغربي. فمنذ 2011، ورغم ارتفاع نسبة المشاركة نسبياً مقارنة بسنوات سابقة، فإن الثقة في الأحزاب تراجعت بشكل واضح. كثير من المواطنين يعتبرون أن البرامج الانتخابية ليست سوى وعود موسمية، وأن الفوارق بين الأحزاب تكاد تكون شكلية أكثر منها جوهرية. هذا الانطباع الجماعي ساهم في تكريس عزوف نسبي عن العمل السياسي المباشر، وهو ما سيجعل من انتخابات 2026 محطة اختبار حقيقية لمدى قدرة الأحزاب على استعادة ثقة الناخبين أو على الأقل الحفاظ على نسبة مشاركة مقبولة.

إلى جانب الهشاشة الحزبية، يبرز التحدي الاقتصادي كأحد العوامل الأكثر تأثيراً في تشكيل المزاج الانتخابي. فالمغرب، رغم نجاحه النسبي في التحكم في التوازنات الماكرو-اقتصادية، ما يزال يعاني من مستويات بطالة مرتفعة خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات، فضلاً عن اتساع رقعة القطاع غير المهيكل. كما أن القدرة الشرائية للمواطنين تأثرت بفعل موجات الغلاء العالمي، وانعكاساتها على أسعار المحروقات والمواد الغذائية. ورغم أن الحكومة الحالية أطلقت بعض المبادرات في مجال الحماية الاجتماعية، مثل تعميم التغطية الصحية، إلا أن أثرها على حياة المواطنين اليومية ما يزال محدوداً في نظر فئات واسعة.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي الذي يزداد ثقلاً في المشهد المغربي. فالفوارق المجالية بين المدن الكبرى والمناطق القروية ما تزال صارخة، إذ ما يزال سكان القرى يشتكون من ضعف البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية. ورغم أن مشاريع كبرى مثل برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية قد رُصدت لها ميزانيات ضخمة، إلا أن وتيرة الإنجاز والتأثير الملموس ما تزال محل جدل. كل ذلك يجعل المواطن المغربي في حالة ترقب وانتظار لما ستقدمه الأحزاب السياسية من برامج مقنعة تتجاوز الشعارات العامة وتلامس حاجياته اليومية.

إلى جانب الداخل، هناك المحددات الإقليمية والدولية التي لا يمكن فصلها عن السياق الانتخابي. فالتوتر المستمر مع الجزائر حول قضية الصحراء المغربية، والانفتاح المتزايد على العمق الإفريقي، إضافة إلى الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، كلها عناصر تجعل من أي حكومة مقبلة مطالبة بامتلاك رؤية واضحة لإدارة الملفات الدبلوماسية والاقتصادية في بيئة دولية شديدة التعقيد. كما أن الضغوط المرتبطة بالتحول الطاقي والأمن الغذائي العالمي تفرض بدورها سياسات جديدة قادرة على ضمان توازن المغرب بين متطلبات الداخل والتزاماته الخارجية.

إجمالاً، يمكن القول إن انتخابات 2026 ستجري في سياق متشابك، حيث يلتقي التحدي الداخلي المتمثل في البطالة، وغلاء المعيشة، وضعف الثقة في المؤسسات، مع التحدي الخارجي المتمثل في التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. هذا التشابك يضع الأحزاب السياسية أمام معادلة صعبة: كيف يمكنها أن تقدم برامج مقنعة، وتنسج تحالفات متينة، وتستجيب في الوقت نفسه لتطلعات المواطن العادي الذي يبحث عن حلول ملموسة في التعليم، الصحة، وفرص العمل؟

إن قراءة هذا السياق بتفاصيله المملة، تكشف أن الحكومة المقبلة، أياً كان شكلها أو تركيبتها، ستكون مطالبة أولاً بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وثانياً بإيجاد توازن بين الإصلاحات الاقتصادية الكبرى ومطلب العدالة الاجتماعية، وثالثاً بالتعامل بمرونة وحزم مع التحديات الإقليمية والدولية. وهذه العناصر الثلاثة ستظل تشكل الخلفية الحقيقية التي ستؤطر أي سيناريو محتمل بعد انتخابات 2026.

مع اقتراب محطة 2026، تتجه الأنظار إلى طبيعة الحكومة المقبلة التي ستفرزها صناديق الاقتراع. فالمشهد الحزبي المغربي، بحكم تركيبته الهجينة وضعف التجذر الاجتماعي لبعض القوى السياسية، يجعل أي توقعات محفوفة بعدم اليقين. ومع ذلك، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات أساسية تفرض نفسها على المراقبين استناداً إلى تجارب سابقة، وموازين القوى الحالية، والتحولات المحتملة في سلوك الناخبين.

السيناريو الأول: استمرار منطق الأغلبية المريحة

أحد الاحتمالات البارزة يتمثل في إعادة إنتاج تجربة 2021، أي بروز حزب مهيمن انتخابياً قادر على قيادة الحكومة بأغلبية مريحة داخل البرلمان. في حال تحقق هذا السيناريو، فإن الاستقرار الحكومي سيكون مضموناً نسبياً، ما سيسمح بتنفيذ سياسات متوسطة وطويلة المدى دون عراقيل مؤسساتية كبيرة. غير أن الإشكال الجوهري هنا يكمن في قدرة الحزب الفائز على الحفاظ على انسجام أغلبيته، خصوصاً إذا تكررت تجربة “التكنوقراطية المقنّعة”، حيث يطغى حضور الكفاءات المعيّنة على حساب الفاعلين السياسيين التقليديين.

هذا السيناريو قد ينسجم مع رغبة المؤسسة الملكية في الحفاظ على منطق الاستقرار وتجنب الهشاشة الحكومية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تتطلب استمرارية في تنفيذ المشاريع الكبرى مثل تعميم الحماية الاجتماعية، تعزيز الاستثمار الأجنبي، والانتقال الطاقي. لكنه قد يُفاقم في المقابل أزمة الثقة لدى الناخبين إذا ما استُشعر أن التداول السياسي بين الأحزاب أصبح شكلياً، وأن النتائج شبه محسومة سلفاً.

السيناريو الثاني: حكومة ائتلافية هجينة

السيناريو الثاني يقوم على فرضية تقارب موازين القوى بين أكثر من حزب، ما يجعل تشكيل الحكومة رهيناً بتحالفات معقدة قد تجمع بين قوى سياسية متباينة أيديولوجياً. هذه الصيغة، وإن كانت مألوفة في التجربة المغربية، إلا أنها تظل محفوفة بالمخاطر، إذ غالباً ما تؤدي إلى تآكل الثقة داخل التحالف الحكومي نفسه، كما حصل في حكومتي ما بعد 2011.

هذا الاحتمال قد يفتح المجال أمام مساومات سياسية واسعة، وإعادة توزيع للحقائب الوزارية بشكل يضمن التوازن بين القوى المختلفة. لكنه قد يُضعف القدرة التنفيذية للحكومة، إذ تتحول النقاشات الداخلية إلى مصدر شلل بدل أن تكون محركاً للإصلاح. وفي هذه الحالة، قد تُضطر المؤسسة الملكية إلى التدخل عبر التوجيه المباشر، أو من خلال تعيين وزراء سياديين يضمنون استمرارية الملفات الاستراتيجية. الصراع محتدم بين حزبي العدالة والتنمية واستمرار حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يظهر عليه استمرار تجربته نظرا لكون تهاوي شعبية الائتلاف الحكومي الحالي.

السيناريو الثالث: حكومة إنقاذ وطني أو تكنوقراط موسّعة

السيناريو الثالث، وهو الأقل تكراراً لكنه غير مستبعد، يتمثل في تشكيل حكومة إنقاذ وطني أو حكومة يغلب عليها الطابع التكنوقراطي. هذا الخيار قد يُطرح بقوة في حال عجز الأحزاب عن تشكيل أغلبية متماسكة، أو في حال بروز أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة تتطلب حلولاً سريعة وغير خاضعة لمنطق التوازنات الحزبية الضيقة.

من الناحية التاريخية، عرف المغرب نماذج قريبة من هذا النمط، مثل حكومة عبد اللطيف الفيلالي في منتصف التسعينيات، أو حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمن اليوسفي التي جاءت في سياق خاص. وإذا ما استعاد المغرب هذه الصيغة في 2026، فقد يكون الهدف منها ضمان الاستقرار وتجاوز العقبات الظرفية، مع الحفاظ على دور الأحزاب في البرلمان كقوى تأطيرية ورقابية أكثر من كونها فاعلاً تنفيذياً مباشراً.

أثر العوامل الخارجية على السيناريوهات

بغض النظر عن السيناريو الذي سيتحقق، فإن العوامل الإقليمية والدولية ستظل مؤثرة بقوة. كما سيظل ملف الصحراء محدداً رئيسياً في رسم التحالفات الداخلية، إذ أن أي حكومة مقبلة مطالبة بتبني خطاب وطني متماسك حول القضية. كما أن الضغوط المرتبطة بالتحول الطاقي، والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، واستمرار التوترات في الساحل وإفريقيا والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي والغرب، ستفرض على أي حكومة مقبلة أن تكون قادرة على إدارة ملفات استراتيجية ذات طابع عابر للأحزاب.

إجمالاً، فإن تشكيل الحكومة المغربية المقبلة بعد انتخابات 2026 لن يكون معزولاً عن توازنات القوى داخل المشهد الحزبي، ولا عن التوجيهات الملكية التي تؤطر دوماً الممارسة التنفيذية. وبين حكومة قوية بأغلبية مريحة، وائتلاف هجين محفوف بالتجاذبات، وحكومة إنقاذ وطني ذات طابع تكنوقراطي، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة. غير أن التحدي الأكبر سيظل دائماً هو قدرة أي حكومة على كسب ثقة المواطن من خلال سياسات ملموسة، وليس فقط من خلال هندسة ائتلافية أو حسابات حزبية ضيقة. فهل هذا ممكن مع ”حكومة المونديال” القادمة ؟

(يُتبع)

Leave a Reply

Your email address will not be published.