مسيرة آيت بوݣماز : المغرب ليس هو مدن المونديال

مسيرة آيت بوݣماز : المغرب ليس هو مدن المونديال

في الوقت الذي يستعد فيه المغرب لاحتضان مباريات كأس العالم 2030 بشراكة ثلاثية مع إسبانيا والبرتغال، يعيش سكان آيت بوݣماز، تلك الجوهرة الجبلية النائية في قلب الأطلس الكبير من المغرب العميق، خارج دوائر التنمية والاهتمام الرسمي. ويعكس هذا التباين الصارخ بين “مغرب المركز” و “مغرب الهامش” إشكالية مستدامة في السياسات العمومية لا زالت تراوح مكانها منذ فجر الإستقلال عن فرنسا، وتُطرح اليوم بحدة أكبر مع تصاعد الخطاب الرسمي الاحتفائي ب “مغرب المونديال”.

آيت بوݣماز المعروفة ب ”الهضبة السعيدة”، لا تزال تفتقر إلى المقومات والبنى التحتية الأساسية من طرق معبدة ومستشفيات ومرافق تعليمية لائقة، وتغطية صحية حقيقة. في حين أن الملايير تضخ لتأهيل ملاعب طنجة وأكادير والدار البيضاء، تبدو ساكنة آيت بوݣماز – على غرار عديد القرى في الهوامش المغربية – وكأنها تعيش في بلد مواز، وفي بلد يعيش ليس فقط بسرعتين، بل بعشر سرعات، سرعة انتشار الهشاشة والفقر، وسرعات الغنى الفاحش، وفي بلد لم يصله بعد خبر “النهضة الرياضية”.

وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن نسبة الفقر في أقاليم مثل أزيلال تتجاوز 14٪، وهي من أعلى النسب وطنيا. وهذا يعني مباشرة أن سكان هذه المناطق على الرغم من كونهم جزء من الوطن، فهم يعيشون بمنأى عن وعود التنمية والعدالة المجالية، حيث سبق للملك محمد السادس في خطاب 20 غشت 2018 أن نبه إلى ضرورة تقليص الفوارق بين الجهات وضمان استفادة كل المواطنين من ثمار النمو”، إضافة إلى النموذج التنموي الجديد الذي تبناه المغرب مؤخرا غير أن تفعيله ما زال ينتظره عمل شاق وجبار، وتفعيله لحد الساعة يتم بطريقة خجولة ولا تكاد ترى لها نتائج.

وعبر التاريخ، فإن المغرب لم يكن أبدا هو ”الدار البيضاء والرباط فقط”، بل هو كذلك القرى والمداشر التي قاومت الاستعمار واحتضنت تراثا حضاريا عريقا. آيت بوݣماز تحديدا، وباقي مدن و قرى الهامش عموما، تعد من أهم نماذج الثقافة الأمازيغية الأصيلة، وتحمل ذاكرة جماعية غنية تستحق الاعتراف والتثمين، حيث رأى الجميع حضارية خروج الساكنة ومطالبتهم بحقوقهم التي أقل ما يقال أنها بسيطة، وتوفيرها ليس من أدوارهم، وتضامن الساكنة وانضباطهم شاهد آخر على وجوب الاهتمام وإخراج مشاريع التنمية من مقبرة التسويف والمماطلة والحسابات السياسوية الضيقة.

في السياق القانوني يكفل دستور 201، في فصله 31 حق المواطنين في “الولوج المتوازن إلى الخدمات الأساسية”، ومع ذلك فإن واقع آيت بوݣماز ولا ننسى ساكنة الحوز – بعد زلزال 2023 – بأن واقع حالهم لا زال معلق التنفيذ إلى إشعار آخر.

ليس المطلوب من رئيس الحكومة عزيز أخنوش عمل المستحيل، ولا من حكومته نطلب تحقيق المعجزات، لكن خروجه الأخير جانب الصواب، واتخذ موقفا غير متوازن من قضية الساكنة، فهم في حاجة إلى إنزال أشياء واقعية وبسرعة، وليس تذكير الناس بأنه يعرف المنطقة وأنه قضى بها ليلتين، أو أن يتهم خصومه بأنهم يؤججون الوضع ويزايدون، وتسويف ذلك بأن هناك أولويات، وكأن الساكنة عليها المزيد من الانتظار، وكأن المغرب كتب على أبناءه العيش في قاعة انتظار كبيرة، دون أن ننسى أن أخنوش نفسه هو من كان مسؤولا عن صندوق التنمية القروية الذي أحدث ضجة في الحكومة السابقة والفضيحة معروفة !!

لا نقلل من أي مبادرة تروم الحل، ولا أي نقاش مهما اختلف المسؤولون في أفكاره، لكن على من لا يحسن تدبير أمور الساكنة أن يرحل ويترك مكانه لمن يستطيع القيام بشيء ملموس لهم.

لا نقلل من شأن المكاسب الرمزية للمونديال، بل ندعو إلى مغرب متكامل، لا إلى مغرب تسلط عليه “الكاميرات” وآخر مدفون تحت تراب النسيان. ولعل أسمى تكريم لمغرب المونديال أن يمتد إشعاعه إلى قرى الجبال والمداشر في الأطلس، ليشعر أبناء آيت بوݣماز أنهم فعلا داخل وطنهم الأم، لا في هامشه، ف”المغرب قطعا ليس هو مدن المونديال”.

Leave a Reply

Your email address will not be published.