في ليلة رطبة على أرضية ملعب مونومنتال، لم يكن الحضور لمتابعة مباراة عادية في تصفيات كأس العالم. كان المشهد أقرب إلى وداعية شعائرية، حيث احتشد عشرات الآلاف لا لرؤية أهداف جديدة من ليونيل ميسي، بل للتشبث بالزمن نفسه. هل هذه آخر مرة يظهر فيها قائد الأرجنتين على أرض الوطن بقميص المنتخب؟
منذ نهائي لوسيل 2022، حيث رفع الكأس الذهبية في مشهد أسطوري أنهى جدلاً دام عقودًا حول “الأفضل في التاريخ”، بدأ العدّ التنازلي الحقيقي لمسيرة ميسي. لكن السؤال اليوم لم يعد عن مرتبته الكروية—فقد حُسمت. بل عن مدى قدرة الجسد على مجاراة ذاكرة المجد.
بين الحلم واستبداد الجسد
ميسي سيبلغ التاسعة والثلاثين مع انطلاق مونديال 2026. وفي عالم كرة القدم، ذلك العمر يشكّل خطًا أحمر لمعظم اللاعبين. التاريخ لا يرحم: زين الدين زيدان اعتزل عند 34، رونالدينيو اختفى قبل 33، حتى بيليه لم يتجاوز 31 حين ودّع الساحة. الاستثناءات نادرة، والعبء البدني في البطولات الحديثة يفوق أي حقبة سابقة.
الأطباء الرياضيون يلمّحون إلى أن معدّل السرعة القصوى لدى اللاعبين يتراجع بعد 33 عامًا بنسبة 15% تقريبًا، فيما يرتفع خطر الإصابات العضلية بـ40%. إحصائيات مشابهة تفسّر تردد ميسي حين صرّح:
“من المنطقي ألا أشارك وأنا في التاسعة والثلاثين… لكن القرار لم يُحسم.”

معادلة الجمهور والقرار الشخصي
ما يعقّد المسألة أن قرار ميسي ليس رياضيًا صرفًا. هو محمّل بثقل جماهيري، وبتاريخ قومي كامل. الأرجنتينيون يرون فيه رمزًا يتجاوز الرياضة. والضغوط هنا تشبه ما عاشه دييغو مارادونا في التسعينيات.
أحد المحللين في Clarin الأرجنتينية كتب: “لو قرر ميسي الغياب عن المونديال، سيكون ذلك أشبه بصدمة وجودية لجيل كامل. نحن لا نودّع لاعبًا، بل نودّع صورة أنفسنا.”
إرث يتجاوز الملاعب
بغض النظر عن المشاركة أو الغياب، ميسي اليوم في موقع لا يمسّه الفشل. الكأس العالمية، الكوبا أميركا، الكرة الذهبية ثماني مرات، وأكثر من 800 هدف رسمي. هذا الرصيد يجعل أي قرار نهائي محاطًا بنوع من الحصانة التاريخية.
لكن ثمة بُعد آخر: ميسي تحوّل إلى مادة سياسية واقتصادية أيضًا. شركات الرعاية تترقب قراره، الاتحاد الأرجنتيني يبني خططه التسويقية عليه، وحتى الفيفا تعلم أن مشاركة “GOAT” ترفع نسب المشاهدة بملايين إضافية.
الزمن كخصم وحيد
من هنا، يبدو أن خصم ميسي الأخير ليس البرازيل ولا ألمانيا، بل الزمن نفسه. قدرة الجسد على الاستمرار لسبعة مباريات متتالية في صيف أميركا الشمالية ستكون الفيصل. مدربه سكالوني ألمح لذلك حين قال:
“الأمر يتوقف على شعوره البدني والنفسي… نحن مستعدون لأي قرار.”
حتى كتابة هذه السطور، يبقى مصير ميسي بين خيارين: خوض المغامرة الأخيرة في المونديال كتتويج لمسيرة لا تتكرر، أو الانسحاب بهدوء تاركًا خلفه هالة أسطورية لا تتكرر. في كلتا الحالتين، يظل ميسي حالة استثنائية: لاعبًا يحدّد هو تاريخ وداعيته، ومتى تنتهي الحكاية.

Leave a Reply