لن يكون لهذا الأمر أهمية جلية دون إغفال الجانب السياسي الذي يجعل هذا التشابه قائما أو ينفيه وهذا ما أشرت إليه للتو في الأسئلة السابقة. هذا المقال باطل إذا لم يساهم في تنوير الرأي العام اليوم. ويصّح الشيء نفسه على باقي الأعمال الأخرى في هذا المجال. نحن بحاجة إلى معرفة كيف لأوجه التشابه بين الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية -سابقا وحاليا- أن تلقي الضوء على الصراعات والإختلافات في العصر الحالي. ومن هذا المنطلق، كتب Matti Bunzl مقالا مميزا ومثيرا للإهتمام ‘الاسلاموفوبيا ومعاداة السامية‘ والذي أشرت إليه في المقدمة والذي سأقف عنده.
يعترف Bunzl بوجود ‘بعض الشرعية’ في المقارنة بين معاداة السامية والإسلاموفوبيا. ولكن، بالنظر إلى هاتين الظاهرتين من حيث وظيفتهما في الصورة السياسية الرائجة، فهو يعتقد أن ‘التشكيك في التشبيه الأساسي… مضلل’. كما يرى، ‘بينما تم إعتماد معاداة السامية للحفاظ على نقاء أصل الدولة القومية، فإن الإسلاموفوبيا سُخرت لحماية مستقبل الحضارة الأوروبية’. من ناحية أخرى، على حد قوله، تغير وضع اليهود في أوروبا بشكل جذري منذ سنة 1945 بسب ظهور مشروع سياسي أوروبي بعد الحرب العالمية الثانية وأهوال المحرقة النازية: ‘ لم يعد اليهود مرتبطين ب’الآخر’ الأساسي ولكن أصبحوا نموذج حقيقي مجسد لنظام ما بعد القومية’. في الوقت نفسه، يجزم أن اليمين المتطرف لم يعد يستهدف اليهود فقط بل المسلمين أيضا. وعلى أية حال، فإن الأحزاب اليمينية المتطرفة تحاول تجنيد اليهود ضد المسلمين، ولا تحرز إلا نجاحا محدودا. بشكل موجز: ‘بينما معاداة السامية التقليدية قد سلكت مسارا تاريخيا يطمس الدولة القومية، فإن الإسلاموفوبيا برزت بسرعة كطرف محدد لأوروبا الجديدة’.
والغريب في الأمر أن Bunzl كان يمكن أن يعبر عن نفس الأطروحة من خلال الدفاع عن ‘تشابه أساسي’، وهذه هي مرونة القياس. إليك الأمر، إذا كانت معاداة السامية مشروعا للدولة القومية العرقية فإن الإسلاموفوبيا هي مشروع لأوروبا ما بعد القومية. يؤديان وظيفة مماثلة: كل منهما يتخذ صفة ‘الآخر’ في المشروع السياسي السائد أنداك. وعلى نفس المنوال، عندما طرح Bunzl السؤال’ هل المسلمين هم يهود أوروبا؟’، كان يمكن له الإجابة ب’نعم’، لسبب وجيز أنهم يمثلون ‘الآخر’ اليوم، ولكنه أجاب ب ‘لا’ لأن المسلمين ليسوا ‘على وشك التعرض لشيء مشابه بمحرقة ثانية’. يختار Bunzl نفي ‘التشابه الأساسي’ لأنه يريد التأكيد على ما يراه تغييرا جوهريا في الصورة السياسية الشاسعة: التحول من الدولة العرقية النقية إلى فكرة ما بعد القومية الأوروبية الموحدة. وإن على الرغم من وجهة نظره، لدي موقف إزاء قياس أوجه التشابه، ليس لأنني أرى ‘محرقة ثانية’ في الأفق ولكن لأنني لست مقتنعا بأن الصورة الرائجة قد تغيرت بشكل جذري.
هناك دافعان أساسيان لتحفظاتي.
أولا، حتى في ذروة القومية العرقية، ظهرت صورة خفية عن أوروبا متفوقة حضاريا وبرزت في شكل خطاب معادي للسامية. تأمل هذه الملاحظة: ‘فقط عندما يلح شخص على إنتحال شخصية الأوروبي ويعامل كأوروبي، يدرك المرء أنه مخلوق مكروه ومنبوذ في بلد أوروبي ومجتمع أوروبي’. هذا ليس خطاب إسلاموفوبي حديث ضد المسلمين ولكن المتحدث هو Joseph Banister في كتاب ألفه سنة1901 بعنوان England under the Jews (إنجلترا تحت حكم اليهود). زيادة على ذلك، ظهرت تحت مظلة القوميات المتعددة التي قسمت أوروبا عنصرية واسعة: بالنسبة لجزء كبير منها، كانت العرقيات المتنوعة تشكل درجات مختلفة لذوي البشرة البيضاء، حيث كان اللون الأبيض يميز أوروبا عن اللون الداكن لآسيا والأسود لإفريقيا وما إلى ذلك. يوضح المقطع نفسه لBanister هذه النقطة؛ ‘قد تجامله أجهزة الإعلام عبر تمثيله على أنه يمتلك كل الصفات الأخلاقية والفكرية للأوروبي، ولكن مع ذلك فهو أسيوي وفقا لجميع العادات، المبادئ، الأحكام المسبقة، الأفكار والأخلاق الأسيوية’. كانBanister من معادي السامية في العصر الإدواردي.
ولكن هذه الجملة- على الأقل جزئها الثاني- قد تعكس اليوم حديثا إسلاموفوبيا. من الممكن اعتبار ‘أورابيا’ (Eurabia) مثل ‘أوراسيا’ (Eurasia). لذلك، في كلتا الحالتين وخلال فترات مماثلة، طغى خطاب حضاري ذو طابع عنصري أيضا[56].
ثانيا ، ‘نظام ما بعد القومية’ لم يرى النور بعد. يبقى فكرة نبيلة، عملا قيد التنفيذ ومداه طويل قبل أن يتحقق، إذا حدث ذلك. على الرغم من أن الواصلة التي كانت تربط ‘الأمة’ (nation) بـ ‘الدولة’ (state) قد تتلاشى، فإن أوروبا لا تزال مجموعة من الأمم والدول. وبينما الآن يتفوق المفهوم المدني للأمة على المفهوم العرقي فإن الدولة الليبرالية ‘المحايدة’ تصدر قوانينها بلهجة وطنية واضحة. أنا لا أقصد مثلا الطريقة التي تُفعّل بها العلمانية في فرنسا. ومع ذلك، فإن الأمر يستحق أن نستشهد برد Paul Silverstein على فرضية Bunzel حول مكانة الأمة اليوم:
من خلال تجاربهم المرتبطة بالتمييز النظامي، لا يواجه المسلمون الفرنسيين رجالا ونساءا، على حد Bunzel، الأمة كما لو كانوا مستبعدين. إنهم يشعرون تحديدا بالإقصاء في دولة يحملون جنسيتها، ولكن قوانينها الأخيرة… تؤذيهم بشكل غير مناسب.
إنه أمر مماثل عبر معظم أنحاء أوروبا. هذا جزء مما أشار إليه Shahid Malik عندما تحدث عما يشعر به الكثير من المسلمين اليوم. وباختصار، أوروبا القديمة تبدو أكثر كأوروبا الجديدة، وأوروبا الجديدة تشبه القديمة، على عكس رأي Bunzel. لقد تغيرت الصورة السياسية الواسعة، لكن ربما لم تتغير كما رأى ذلك. هذا يحيلني على سؤال ما إذا كانت هناك “مقارنة أساسية” بين أسلوب توظيف الإسلاموفوبيا اليوم وأسلوب توظيف معاداة السامية في الأمس. في الأساس، كلما تقلصت الفجوة بين أوروبا القديمة والجديدة، كلما ازدادت حدة التشابه وباتت أكثر ملائمة. من وجهة نظري، الجزم بذلك أكثر منفعة من عدمه. النقاش يستمر لتحديد وتقييم التشابه بين الظاهرتين. ‘ما قيمة هذا التشابه؟’. هل يستحق تأكيده أم إنكاره؟ تكمن قيمة التشابه في تسليط الضوء على الأوضاع الاجتماعية والسياسية الحالية. في إشارة إلى نهاية القرن العشرين، كتبت Maleiha Malik: ‘على الرغم من الاختلافات الهامة، فإن معاملة اليهود البريطانيين توفر أرضية جيدة للعنصرية المعاصرة اتجاه اللمسلمين’.
وختاما، بينما يوضح Bunzl بشكل مقنع أن اليهود في الإتحاد الأوروبي إنتقلوا من كونهم ‘الآخر الرئيسي’ إلى كونهم ‘التجسيد الحقيقي’ لفكرة ما بعد القومية، أنا لست واثقا جدا بشأن ذلك مستقبلا. فمن ناحية، ومثلما أشار، فإن العديد من الأحزاب اليمينية المتطرفة تخدع اليهود بأجندتها المعادية للمسلمين، ولهذا السبب تخلت عن معاداة السامية باعتبارها موضوعا مثيرا للجدل. وفي غضون ذلك، أخدت اليهودية حيزا جديدا في أوروبا عبر إدراج مصطلح ‘اليهوديي-المسيحيي’ (Judeo-Christian)، وهو مصطلح نمطي مبتذل لا يشمل الإسلام بحكم تعريفه. من ناحية أخرى ، كما يشير Dave Rich، عضو بالمؤسسة الخيرية البريطانية ‘Community Security Trust’: ‘ما قد يستهدف مجتمعا ما قد يستهدف بسهولة مجتمعا آخرا إذا تغيرت الظرفية’. وكل وضع قابل للتغيير. عندما أقرأ أن ‘الشكل الحديث لمعاداة السامية قد سلك مساره التاريخي’، أتذكر تصريحا أخرا: إن انتشار الديمقراطية الليبرالية قد يعني ‘نهاية التاريخ’. ولكن للتاريخ القدرة عادة على التغير والتأقلم. يبدو أن كلا من Fukuyama وBunzl قد نسيا أن الوقت يمر وأن أنظمة من الماضي قد تظهر من جديد بشكل مختلف. يمكن لتصريحات جريئة كهاته أن تكون بالتأكيد واضحة، وتلفت انتباهنا إلى تحول في مجرى الأوضاع الإنسانية، ولكن قيمتها تبقى دائما محدودة، مثل أوجه التشابه.

Leave a Reply