تأليف: يوسف هندي
نقله إلى العربية: يحيى حاميد
بينما انتشرت قضيّة بريجيت ماكرون/جان ميشيل ترونيو وراء حدود فرنسا، وأطلق إيمانويل تود حملة (متأخرة) مثيرة للجدل ضد النسوية الجديدة ونظرية الجندر، أقترح أن أدخل في هذا الجدال بعدًا يبدو لي مركزيًا، ولكنه لحد الساعة مُتجاهل، مُغيَّب وغير معروف بشكل عام: الجذور الدينية والباطنية للنسوية والتحول الجنسي.
سيتعلّق الجزء الأوّل بتقديم مجموعة أيديولوجيات وحركات الإلجيبيتي الرئيسية، منذ القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا. هذا ليس دراسة مكثّفة، بل مشهد أيديولوجي وجغرافي للإلجيبيتيّة، الذي سيسمح للقرّاء أن يموقعوه ويتصوّروه.
سنلاحظ أن أيديولوجيات وحركات الإلجيبيتي وُلِدت وتطورت أساسًا في العالم اليهودي البروتستانتي الأنجلوأمريكي. هذا ليس وليد الصدفة. السبب الأول ديني. لكن سيتم معالجة هذا النسب الديني والباطني لأيديولوجيات الإلجيبيتي في الجزء الثاني، الذي سيتم نشره الشهر القادم.
تُفرض أيديولوجيا الإلجيبيتي في الغرب
أصبحت أيديولوجيات الإلجيبيتي بدون مفر. تُفرض من الأعلى في المناهج الدراسية، في السينما، عبر أيقونات متحولة جنسياً، إلخ.
تكاثرت أمثلة الشخصيات العمومية التي قامت بتحول جنسي. الممثلة الكندية إلين بيدج أعلنت تحولها لرجل، وتظهر من الآن فصاعدًا بلحية. اسمها الآن إليوت، وتزوجت بالراقصة ومصممة الرقصات إيما بورتنر.
أصبح مخرجا “ماتريكس” الشهيران اليهوديان الأمريكيان، الأخوان واتشوفسكي لاري وأندي، الأختين واتشوفسكي لانا وليلي. سنة 2015، أنتج وأخرج الأخوان واتشوفسكي “جوبيتر أسندينج” )جوبيتر صاعدا)، الذي هو فيلم حيث تم عرض آدمي معدل جينياً بجينات كلب…
دائما في مجال السينما، قامت استوديوهات مارفل، التي لطالما قاومت ضغوطات حركات الإلجيبيتي، بإدماج شخصيات مثلية الجنس في أفلامها، وربما متحولين جنسياً قريبا. مارفل في صدد إنتاج الجزء الجديد من سلسلة أفلام “ثور”، حيث سيتم استبدال أودين، أب ثور، على عرش أسغارد بامرأة مختلطة العرق ومثلية الجنس مصحوبة بملكتها.
في آخر إنتاجاتها، “ذي إيتيرنالز” -الأزليون-، حرصت مارفل على تزويج أسود وعربي رُزِقا بطفل.
لنر الآن من جهة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (ن.ت.ن.ق). في نسخة تقريرها الاجتماعي، مشهد المجتمع، لسنة 2019، الموضوع الخاص هو مسألة الإلجيبيتي:
“هذه النسخة من مشهد المجتمع تسلط الضوء على الأشخاص السحاقيين، الشاذين، ثنائيّي الميول الجنسي والمتحولين جنسياً (إلجيبيتي) الذين لا يزالون يعانون، بشكل عام، من شتى أنواع التمييز. بالفعل، لا يزال الأشخاص الإلجيبيتي بعيدين عن التقبل التام في بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (ن.ت.ن.ق). فقد قننت فقط نصف بلدان المنظمة الزواج المثلي على كافة ترابها الوطني، ويسمح فقط أقل من ثلث البلدان للأشخاص المتحولين جنسياً بتغيير حالتهم المدنية لتتوافق مع هويتهم الجندرية دون إرغامهم على الخضوع للتعقيم، لجراحة إعادة تعيين جنسية، لعلاجات هرمونية أو لفحوصات نفسية. تم أيضاً ملاحظة تراجع للحقوق. بيد أن التمييز ليس فقط غير مقبول على المستوى الأخلاقي، بل يخلق أيضاً تكلفة اقتصادية واجتماعية مهمة. يجب إذن أن يُدرج إدماج الأقليات الجنسية والجندرية ضمن أولى أولويات حكومات ن.ت.ن.ق.
بيد أن في الولايات المتحدة، أحد مهود الإلجيبيتي، المتحولون الجنسيون لا يمثلون شيئاً إحصائياً: 89,000 شخصاً على الأكثر سنة 2010، يعني 0.05% من السكان الأمريكيين الذين يفوقون 16 عاماً.
نحو أصول النسوية والتحول الجنسي، البروتستانتية؟
في كتابه الأخير “أين وصلن؟”، اقترح عالم الأنثروبولوجيا إيمانويل تود أن النسوية المعاصرة هي رد فعل تجاه مركزية الأب البروتستانتية: “لأن الأقطاب التاريخية للنسوية المعاصرة توجد في البلاد البروتستانتية، في إنجلترا مع حركة المطالبة بحق التصويت للمرأة، في الولايات المتحدة مع حبة [منع الحمل]، في السويد مع أول نسوية ذات هوية وطنية، يصعب علينا قليلاً أن نتصور دين لوثر، تسفينجلي وكالفن معادياً للنساء. لكنه كان كذلك، وليس من المستحيل أن بروتستانتية حية ميتة لا تزال نشطة تمثل في تلك البلدان موازنة هادئة لكنها قوية ضد تحرير المرأة، بعدما كانت أحد أسباب انتفاضتهن…
في البروتستانتية، على المرأة أن تكون زوجة صالحة، بدون مفر ممكن. تعطي نصوص لوثر، خصوصاً “تعليمه الصغير”، مكانة مركزية لرب الأسرة.
كانت إحدى أولى اهتمامات القادة البروتستانت إلغاء الزيجات السرية التي شرعتها كنيسة القرون الوسطى. كنّ يسمحون، في بعض الحالات، بحرية اختيار شريك الحياة من طرف العروس. قاد إذن الخروج من كنيسة القرون الوسطى نحو سقوط الاستقلالية النسائية. لنضف، في هذه المساهمة البروتستانتية، العودة لقراءة الكتاب المقدس، نص عظيم ذو روح أبوية، مع حواءٍ أصلية تقود نحو خطيئة ذات نفس الاسم. لم يكن تراجع العذراء مقابل حواء في الموضوع الديني خبراً ساراً للنساء. حكم إريك فروم ومعه مدرسة فرانكفورت بوضوح على البروتستانتية بمركزية الأب: “البروتستانتية […] قامت بعمل دقيق لتطهير الخصائص مركزية الأم للمسيحية.”
باختصار، حسب طود، “كانت النسوية بشكل كبير ردة فعل ضد الذكورية البروتيستانتية. نحمل هنا مفتاحًا تأويليًا مهمًا جدًا.”
يرى أيضًا إيمانويل طود أن مركزية الأب البروتيستانتية التي أنتجت ردة الفعل النسوية، بمثابة عودة للعهد القديم على حساب الإنجيل وروحه. لقد حدد الأصل العبراني لهذه المركزية الأبوية، إن لم نقل هذا الخفض من مكانة المرأة. مع ذلك، ما لم يحدده عالم الأنثروبولوجيا هذا، هو الأصل اليهودي للنسوية. لا يرى أيضًا، وهذا أخطر، كل التقليد النسوي اليهودي. بيد أن هناك ردة فعل نسوية يهودية مهمة ضد العهد القديم والتلمود.
حول ظاهرة التحول الجنسي، أكد عالم الأنثروبولوجيا المتخصص في البنيات الأسرية أن هذا النوع من الحوار المفتوح لا يمكن أن يوجد إلا في بلد بروتستانتي، حيث سبق تقليدُ تحويل الجسد المرفوض من طرف الكاثوليكية مسألة تحويل الجنس. وتود يذكر أنه “جرت تعقيمات تحسين النسل خلال فترة ما بين الحربين في البلدان البروتستانتية. أصبح اليوم تعقيم الذكور عبر قطع القناة المنوية شائعًا في العالم الأنجلوأمريكي.”
هنا مجددًا، أفلتت من تود التمثيلية المفرطة لليهود في حركة المتحولين الجنسيين. لنضف إلى ذلك التعقيم الجماعي للنساء الإثيوبيات الممارس من طرف إسرائيل، والذي لم يثر انتباه تود.
النسوية اليهودية البين طائفية
بدأت النسوية اليهودية بالتعريف عن نفسها خلال أربعينيات القرن الماضي في أوساط اليهودية الليبرالية المعادية لليهودية الأورثودوكسية.
سنة 1946، غيّر تقليد يهودي حداثي يقال له ماسّورتي كتاب الصلوات اليهودي (سيدّور). تم تعويض المقطع “حمدا يا رب لأنك لم تخلقني امرأة” (شيلو أساني إيشّا) بعبارة “الذي جعلني شخصًا حرًا”.
سنة 1970، نشرت ترود فايس روزمارين نصًا بعنوان “لا حرية للنساء اليهود” وكتبت راحيل أدلار، يهودية أورثودوكسية، مقالًا بعنوان “اليهودي الذي لم يكن هناك: الهالاخاه والمرأة اليهودية”.
في هذا النص مثلًا، تعاتب راحيل أدلار الأحبارَ على مقاربة مسألة وضع المرأة بتخطي الهالاخاه (الشريعة اليهودية)، منتجين تأويلات بانتقاء بعض الميدراشيم (نصوص تفسيرية للعهد القديم) والأگادوت (تعاليم تقليدية غير تشريعية) لا تعكس “الطريقة التي علينا التعامل بها مع المرأة حسب الشرع اليهودي”.

Leave a Reply