النسوية والتحول الجنسي: أصول دينية و باطنية – المرأة في التوراة والمتحول الجنسي في القبّالة (1)

feminism judaism

تأليف: يوسف هندي

نقله إلى العربية: يحيى حاميد

نشرنا الشهر الماضي الجزء الأول من هذه الدراسة، التي قدمت حركات و أيديولوجيات الإلجيبيتي الرئيسية منذ القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا. سيتناول هذا الجزء الثاني حصريا النسب الديني و الباطني للنسوية و التحول الجنسي.

سنبدأ بالبداية، بحكاية خلق حواء و وضع المرأة في التوراة. الذي سيتسبب في ولادة النسوية اليهودية كما شرحنا في الجزء الأول؛ نسوية يهودية وُلِدت كردة فعل ضد كراهية النساء المفرطة في اليهودية.

بعد ذلك، سنعيد تتبع نسب ما نعتبره أصل نظرية الجندر، أي الباطنية اليهودية، أو القَبّالة، المتأثرة بشدة، من وجهة النظر هذه، بالأفلاطونية.

المرأة في اليهودية، من التوراة إلى القبّالة

خلق حواء في التوراة

في سفر التكوين، أول سفر في التوراة، توجد نسختين للخلق. النسخة الأولى إلوهية، حيث يدعى الله “إلوهيم” (אֱלֹהִים)، و النسخة الثانية يَهْوِيّة، حيث اسم الإله “يهوه” (יְהוָה).

في النسخة الأولى للخلق، النسخة الإلوهية، كُتِب أن الله خلق الرجل و المرأة في آن واحد، بعدما خلق النبات و الحيوان:

“فَخَلَقَ إِلُوهِيمُ (اللهُ) الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.” (تكوين 1: 27)

لكن في النسخة الثانية، النسخة اليَهْوِيّة، للخلق (التي تبتدئ في سفر التكوين 2:4)، كُتِب أن يهوه خلق الرجل (تكوين، 2:7) ثم النبات (تكوين، 2، 8-9)، و لكي لا يبقى الرجل وحيدا، خلق الحيوان (تكوين، 2، 18-19). و أخيرًا، خلق يهوه المرأة من ظلع الرجل (أو من جانبه، حسب التأويلات)، لأن بين الحيوانات “لم يجد مُعينا نظيره”:

“فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِينًا نَظِيرَهُ. فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلَاعِهِ وَمَلَأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلَهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ.” (تكوين 2: 20-21)

في النسخة اليَهْوِيّة للخلق، لم تُخلَق المرأة إلا بعد النبات و الحيوان، لأن الرجل لم يجد معينا بين هؤلاء…

تحمل المرأة مسؤولية أول خطيئة

حسب التوراة، المرأة أول خطّاءة، هي من تسببت في سقوط آدم بدفعه نحو ارتكاب هذه الخطيئة. منعما الله من الأكل من ثمر الشجرة في وسط الجنة، لكن أُغوِيت المرأة بسهولة من طرف الحيّة؛ أكلت من ثمر الشجرة و شجعت الرجل ليقوم بالمثل:

“فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ.” (تكوين 3: 6)

عندما سأل الله آدم لما أكل من تلك الشجرة، أجاب آدم:

“الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ.” (تكوين 3: 13)

و تُعَدِّد التوراة العقوبات التي تطال المرأة أكثر من الرجل:

“وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ. بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلَادًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ». وَقَالَ لِآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لا تَأكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ».” (تكوين 3: 16-17)

للمرأة، أول مسؤولة، عدة عقوبات، للرجل واحدة. أما بالنسبة لحقوق النساء، يجب فحص التوراة بتمعن لتجدهم. على سبيل المثال، في الشرع التوراتي لا ترث البنت شيئا إلا إن لم يكن لها أخ:

“أَيُّ مَا رَجُلٍ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ.” (عدد 27: 8)

لاحظنا، في الجزء الأول، أن التَّلْمُود لم يرفع قط من شأن المرأة و لم يمنحها حقوقا دينية إضافية. “تظهر المرأة كدرجة وسيطة بين الإنسان و الحيوان أو بين الحر و العبد أو بين البالغ و القاصر.”

 الميسيانية، تحرير المرأة و الانحراف

في الأدب التلمودي، يتم التساؤل عن وضع التوراة في زمن المخلص: هل تستتبع توراة المخلص، في ذلك الزمن من التجديد و الحرية التي ستصحب مجيئه، النسخ الصريح للشريعة أم اكتمال الشريعة التي لا يعلم معناها إلا المخلص الذي يستطيع تفسيرها؟

سيستمر هذا التفكير حتى الاستنتاج بأن الشريعة ليست ضرورية في زمن اختفى فيه “الميول السيء” (یێتسێرهارا)؛ إذا لم يعد للشر وجود، لا سبب أيضا لوجود الحدود التي بنتها التوراة و الهالاخاه.

ستذهب الحركات الضد شرعية الأكثر غلوا، كالشَّبْتائيّة (القرن السابع عشر) و الفرانكية (القرن الثامن عشر) إلى حد اعتبار أن التوراة الجديدة تتجلى في مخالفة أحكام التوراة “القديمة” بشكل منهجي. هذا تصور مرتبط بمفهوم “التكفير بالخطيئة” الشهير: أي رؤية للتاريخ مبنية على فكرة أن الشيطان (الذي يسمى سَمّائِيلاً في القبّالة) سيتوب و سيصير في آخر الزمان مَلَك صفاءٍ.

لذلك، حسب القبّاليّين المدافعين عن فكرة خلاص الشيطان (سَمّائِيل)، الشر خير أو “سيعود” خيرا. تمت صياغة مفهوم خلاص الشيطان هذا في نص قبّالي، الكاف هاکێتۆرات، المدون سنة 1500 و خصوصا في ال”عاسارا مائامارۆت” للحبر التلمودي و القبّالي الإيطالي مێناحێمعازاریافانۆ (1548-1620)، الذي كان بالمناسبة تلميذًا للقبّالي الكبير موسى کۆردۆڤێرۆ. “تمثلت صياغة رمزية مهمة لعودة سمّائيل المستقبلية إلى القداسة في فكرة أن اسمه سيتغير، إذ أنه سيسقط حرف الميم، الذي يعني الموت (ماڤێت)، تاركًا “سائيل”، أحد أسماء الله الإثنين و السبعين المقدسة.”

تلك الحركات الضد شرعية و الميسيانية أيضا ردة فعل تجاه الشريعة التي تثقل كاهل الشعب اليهودي، و التي هي قيد شديد الثقل. تُحَرِّر عصور آخر الزمان اليهود من هذا العبء التشريعي. هن تحررن الرجال و لكن أيضا النساء.

ليس إذن من المدهش أن الضدشرعي شَبّْتاي صْڤي (1626-1676)، الماشِياح المزعوم (الذي عاش في تركيا)، أصحب المخالفة المنهجية لأحكام التوراة بـ”تحرر” المرأة، تحرر معناه الانحراف.

في السحن الذهبي حيث وُضع من طرف السلطات العثمانية، قام صْڤي و أتباع طائفته بأفعال فجور جماعية – أقام صْڤي علاقات بفتيات (عذراوات) و فتيان من أتباعه – وُصِفت في الشكايات المودعة لدى السلطات التركية كـ”أرجاس لا تطاق تُرتَكب في بلاط الملك (معناه شَبّْتاي)”. يضاف إلى ذلك تصرفات ضدشرعية أخرى كالدوس على التێفيلين (علب فيها مقاطع من العهد القديم معلقة بأحزمة جلد صغيرة حول الذراع و الرأس خلال الصلاة) و على لفائف توراة ممزقة مسبقا. كانت ترأس امرأة شَبّْتاي صْڤي سارة، التي كانتزانية شهيرة، تلك مشاهد الجنس الجماعي كالملكة. لعل صْڤي “تأثر أيضا بامرأته و بأفكارها الخاصة المتعلقة بالتحرر في آخر الزمان للمرأة، المتحررة من نير زوجها.”

تعاطى خَلَف صْڤي، الضدشرعي يعقوب فرانك (1726-1791)، المزداد في کۆرۆلیڤکا (في پۆدۆلیا، في أوكرانيا الحالية)، و التناسخ المزعوم لشَبّْتاي صْڤي و الماشِياح المزعوم، مع أعضاء طائفته لحصص جنس جماعي تجديفية. أمس مسيرته للعماد في لڤۆڤ، ليعتنق الكاثوليكية كذبا، نظّم يعقوب فرانك في ئيوانى احتفالا سريا ذي طقس جنسي جماعي (وُصِف بالتفصيل في مخطوط فرانكي). “تجرد فرانك و كل الأتباع من كل ثيابهم، جثوا على ركبتيهم، قبّلوا الصليب و تعاطوا طقس فجور جامح أمامه. تم تنظيم احتفالات طقسية من هذا النوع، التي تسخر من الدين الذي سيعتنقه أعضاء الطائفة، مرات عديدة عندما سُجِن فرانك في چێستۆخۆڤا، و بعدها في برۈن.”

هل يجب علينا الاستنتاج من ذلك أن تلك جذور النسوية اليهودية، و بالضبط نسوية الموجة الثانية التي حاربت من أجل “التحرر الجنسي”، و التي داعياتها و أعلامها الكبرى يهوديات كما رأينا في الجزء الأول؟

هذا ليس افتراضًا عشوائيا. النسوية اليهودية، المولودة أساسًا في الولايات المتحدة، منبثقة أساسًا من اليهودية الإصلاحية. و اليهودية الإصلاحية نتاج الشبّْتائية-الفرانكية:

“لم يعتنق فرانكيو بوهيميا-مورافيا أو النمسا القادمين من أسر ميسورة المسيحيةَ، بينما اعتنق الفرانكيون البولانديون القادمون من الشْتێلات أو القرى المسيحيةَ و عرفوا صعودا اجتماعيا مهولا. مهّد الأوائل الطريق لليهودية الإصلاحية، و الأواخر لتيار محافظ ممزوج بالإصلاح، لكن بقي الاثنانعلى تواز باستمرار… انخرط آل براندايس (ملاحظة الكاتب: لويس براندايس، 1856-1941، قاض في المحكمة العليا للولايات المتحدة الأمريكية من 1916 إلى 1939) في اليهودية الإصلاحية الأمريكية، بينما في نفس الوقت أصبح ئیڤاسکیێڤیچكاتبا مشهورا في بولندا، حيث دعا إلى كاثوليكية أكثر تفتحا و تسامحا. كلاهما فرانكيان و ممثلان للديانتين. نستطيع أن نضيف إلى ذلك الشبّْتائيين الذين صاروا مسلمين (ملاحظة الكاتب: اتبعوا منوال معلمهم شَبّْتاي صْڤي، الذي اعتنق الإسلام كذبا) في الدولة العثمانية، و الذين ولجوا الماسونية و مهدوا الطريق للعلمانية التركية…

من الولايات المتحدة، مرورًا بفرنسا، بريطانيا العظمى، بولندا بل حتى ألمانيا، انتشرت الفرانكية و أتباعها، المعتنقون لدين آخر أم لا، في شتى بقاع الأرض.”

Leave a Reply

Your email address will not be published.