النسوية والتحول الجنسي: أصول دينية و باطنية – المرأة في التوراة والمتحول الجنسي في القبّالة (2)

الأنوثة و التحول الجنسي في القبّالة

الأنوثة و التحول الجنسي في القبّالة

تطورت اليهودية القديمة وسط الأديان الكنعانية، المصرية، العربية و الرافدية… تشكل بانثيونهن بآلهة سافرت، من منطقة إلى أخرى، من دين لآخر. اتخذ العبرانيون إذن بعض الآلهة و المعتقدات الوثنية. على سبيل المثال، عَبَد العبرانيون الإلهة الرافدية عِشتار تحت إسم ئاشێرا، التي ستصير صاحبة يهوه.

في سفر النبي هُوشَع، الذي عاش في مملكة إسرائيل في القرن الثامن قبل الميلاد، نجد وصفا لعصور آخر الزمان، عالم طوباوي، مسالم، مصحوب بالعرس بين يهوه و شعب إسرائيل:

“وَأَقْطَعُ لَهُمْ عَهْداً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّيَّةِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ وَدَبَّابَاتِ الأَرْضِ، وَأَكْسِرُ الْقَوْسَ وَالسَّيْفَ وَالْحَرْبَ مِنَ الأَرْضِ، وَأَجْعَلُهُمْ يَضْطَجِعُونَ آمِنِينَ. وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إِلَى الأَبَدِ. وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالإِحْسَانِ وَالْمَرَاحِمِ. أَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالأَمَانَةِ فَتَعْرِفِينَ الرَّبَّ.” (هوشع 2: 19-22)

في التقليد الباطني اليهودي سنجد الفكرة مع الشێكينا (الحضور الإلهي)، المتجسدة في الشعب اليهودي الذي هو “خطيبة الله”

يتكهن القبّاليون حول جنس الإله

سيكون التجسيم الحاضر في العهد القديم، فيما يتعلق يهوه الذي له جسم، الأصل في انحرافات عقدية كالشيعور قۆما (أي قياس جسم الإله) التي سيتعاطاها “الغنوصيون اليهود” بين القرنين الأول و الثالث بعد الميلاد. إذ أن لو “خلق الإنسان على صورته”، فهذا يعني أن للإله، في التصور اليهودي، جسدا و “جنسا”. و بالتالي، سيتكهّن القبّاليون حول جنس الإله.

و بالفعل، في التقليد القبّالي، نجد فكرة أن “للجسد البشري، على صورة الجسد الإلهي، “سبعة” أشكال توافق أعضاءه الرئيسية، و أحدها المرأة التي تُعتبر أحد جنبيه. من المثير للملاحظة أن المرأة تُعتبر أحد الأشكال السبعة المكونة للجسم الإلهي و البشري، تماما كرأسه أو ساقيه. العنصر الأنثوي جزء لا يتجزأ من الكمال الكوني الربّاني البشري، يشكّل، في ارتباطه مع العنصر الذكري، الهوية الجوهرية لكل موجود، مهما كانت رتبته في التراتبية الكونية. انطلاقا من هذه المنطلقات، ليس من المفاجئ أنه اعتُبِر الزواج و التّزاوج من طرف القبّاليين المتأخرين كطريقة لإعادة تكوين الإنسان ثنائي الجنس في تكامله قبل مجيئه للدنيا حيث قُسم إلى جزأين منفصلين. لذلك، سيرينا نصٌ مهمٌ لـ”ر. يوسف گیکاتیلا (1248-1325)، قبّاليٍ قشتاليٍ و شارحٍ لابن ميمون، عملُه الصغيرُ حول “سر زواج داود و بَثْشِبَع”، كيف “الجسد الواحد” في آية سفر التكوين (2:24) يرتبط أولا بطبيعة الروح.”

ستترسخ عقيدة الخنوثة هذه في التقليد القبّالي و ما وراءه. سنجدها في الأوساط النسوية لليهودية الإصلاحية.

سنة 1976، نشرت ریتاگرۆسّ، أستاذة جامعية يهودية أمريكية، مقالا بعنوان “لغة الله الأنثوية في سياق يهودي” (داڤکاماگازین 17).

كتبت الحبرة رێبێکا ئالبەرت، المنخرطة في اليهودية الإصلاحية، ما يلي:

“حوّلت تجربة الصلاة بالسيدّور ناشيم [أول كتاب صلوات السبت يحيل إلى الله باستعمال ضمائر و صور أنثوية]… علاقتي مع الله. لأول مرة، فهمت معنى كوني خُلِقت على صورة الله. تصوّر الله كامرأة مثلي، رؤيتها قويّة و حاضنة في آن واحد، تخيلها بجسد امرأة، برحم، بأثداء –كان تجربة ذي أهمية عظمى. أهذه العلاقة التي جمعت الرجال بالله طوال كل هذه القرون؟ من المذهل التوصل بهذه الأحاسيس و الإدراكات.” (ریفۆرمجودەیزم، شتاء 1991).

سنة 1990 كتبت المرأة الحبر مارگارێتڤێنیگ خُطبة، “الله امرأة و إنها تشيخ”، نُشِرت سنة 2011 عشر مرّات (ثلاث مرات بالألمانية) و ألقِيَت من طرف أحبار من أستراليا إلى كاليفورنيا.

علّقت حبرة أخرى، پۆلارێیمەرز، بما يلي:

“الذين يقولون “هي” للحديث عن الله يريدون تأكيد أنوثة الذات الإلهية و جانبها الإلهي. يفعلون ذلك بالتأكيد على ما يُفرّق بوضوح بين التجربة الأنثوية و التجربة الذكرية. قد تخلق ذات إلهية ذكرية أو أنثوية بالكلمة أو الفعل. عندما يدعى الله امرأة، تصبح إذن صورة الولادة و تمثل الإله مع الطبيعة و عملياتها بلا مفر.” (“النسوية، اليهودية و الله الأم”، اليهودية الماسّۆرتية 46، 1993).

تأثرت التكهنات القبّالية حول الجنس الإلهي بالأفلاطونية في العصر الوسيط، و كان لهن بعد ذلك وقع على الرؤية الجنسية للروح البشرية. “تمّ تصور الواحد (و إذن الذات الإلهية) مبكرا جدا، في تاريخ القبّالة، كمصفوفة تحتوي على قوتين اللتين تفريقهما و محدداتهما تُصرّحان بواسطة الأقطاب الجنسية. الإنسان، بالنسبة للقبّاليين، خُلِق على صورة الله الواحد، مما يستلزم في نظرهم أنه تكوّن في البدء كذلك الموجود الواحد، حيث إنه يجمع فيه القوى الذكرية و الأنثوية.”

الأصول الأفلاطونية والقبّالية لنظرية الجندر

النص القبّالي سێفێرها-باهیر (أواخر القرن الثاني عشر) “يتضمن فكرة أنه قد يتعايش المذكر و المؤنث في ذات واحدة.”

الزۆهار، أحد أهم كتب القبّالة، المُدوّن في أواخر القرن الثالث عشر، مشبع بمنظور التحول الجنسي هذا. إليكم مقتطفا من الزۆهار حيث يقدّم الكاتب، قبّالي إسباني، تأويلا بمنظور تحول جنسي للمقطع حول خلق الإنسان في أول أسفار التوراة، سفر التكوين:

“”نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تكوين 1:26). “نعمل الإنسان” كاتحاد مبدأ الذكر و الأنثى. “على صورتنا”، أي غنيا؛ “كشبهنا” أي فقيرا. من الجهة الذكرية، فهو غني، من الجهة الأنثوية فهو فقير. كيفما الذكر و الأنثى شريكان متحدان، يهتم أحدهم بالآخر، و يعطي أهدهم للآخر و يملأه خيرا، كذلك على البشر أن يكونوا في الدنيا، الغني و الفقير متحدان، يعطي أحدهم للآخر و يملأ أحدهم الآخر خيرا.” (زۆهار 1، 13ب)

استخلص الباحثون التأثير الأفلاطوني و تأثير أسطورة الخنثى على الزۆهار خاصة و القبّالة عامة. أبرز شارلمۆپسیک، المتخصص في القبّالة، أن هذا المقطع من الزۆهار نسخة طبق الأصل لأسطورة ولادة ئێرۆس، التي روتها دیۆتیما في “مأدبة” أفلاطون. و لاحظ أستاذ الفلسفة جان ليبيس أن هذا المقطع الأفلاطوني للزۆهار يذكّر بالرواية الأسطورية لزواج پۆرۆسوپێنیا (والديّ ئێرۆس).

هذا النوع من الخطاب الذي نجده عند القبّاليين منذ القرن الثاني عشر، “الذي يَدين جدا و بوضوح لأسطورة ئاریستۆفانێس في مأدبة أفلاطون، و مع ذلك دون أن ينحصر فيها تماما، يحمل جراثيم زعزعة التفرقة الصارمة بين الجنس الذكري و الجنس الأنثوي.”

نظرية الجندر والمثلية في القبّالة

نظرية الجندر مرتبطة مباشرة بالمثلية الجنسية. علاوة على ذلك، كما رأينا في الجزء الأول، عدد من منظّري الجندر و مناضلي الإلجيبيتي مثليون، ثنائيو الميول أو متحولون جنسيا.

في بداية القرن الثامن عشر، يقدم الحبر يعقوب کۆپّێل البولندي في نص فكرة الوجود المقترن للـ”مبادئ الجنسية” في كل فرد. حسبه، فإن “المذكر منجذب بالمذكر، المؤنث بالمؤنث، و ليس العكس. لأن الرجل يحمل فيه العنصر الأنثوي، ستتوجه رغبته نحو المرأة، و يسري نفس المبدأ على الجنس المغاير. بلا شك، يوجد المبدأ القديم اليوناني الأصل، القائل أن كل فصيلة تنجذب بما يشبهها، في خلفية تطوره.”

نصادف هذا المبدأ مسبقا في الزۆهار، مثلا في 1، 137ب: “تحب كل فصيلة فصيلتها، ينجذب كل نوع بنوعه.”

و “مصدرها الحاخامي بلا شك التلمود البابلي، بابا باترا 92ب”، كما يقول لنا شارل مۆپسیک.

نسب فيلسوف نيوأفلاطوني في القرن الرابع، پرۆکلۆس، هذا النوع من الثنائية الجنسانية للآلهة: “…لدى الآلهة، يتداخل الجنسان لدرجة أن نفس الإله قد يسمى ذكرا و أنثى كالشمس، هێرمێس، و آخرون” (شرح التیمایۆس، 18ج).

الفكرة المعاصرة التي تدافع عنها نظرية الجندر، أي أن المرء”لا يولد رجلاأو امرأة بل يصيره أو يصيرها” حاضرة مسبقا في القبّالة. حسب الزۆهار، كل روح تتكون في مصدرها من مذكر و مؤنث، و لا تفترق الأرواح إلى أرواح ذكرية و أرواح أنثوية إلا خلال نزولها. مع ذلك، حسب القبّالة، تحتوي الروح الذكرية على المؤنث و العكس صحيح.

وضع گاۆن الڤیلني في أواخر القرن الثامن عشر كمبدأ كوني: “يحتوي كل من الذكر و الأنثى على ذكر و أنثى.”

“[حسب] قبّالي بولندي في القرن السادس عشر، ر. مُرْدِخاي يافّێ، خلافا للرغبة تجاه الجنس المغاير، تأتي الرغبة تجاه نفس الجنس من الروح “الطبيعية” حصريا و لا تأتي من توق الأرواح إلى الاتحاد لتشكل الإنسان الكامل، الذكري و الأنثوي في آن واحد، الموجود قبل الخلق، حسب تصور استعاده الزۆهار من أسطورة الخنثى الأفلاطونية و كيّفه. الرغبة المثلية إذن “طبيعية” قطعا، بينما الرغبة في الجنس الآخر فوق طبيعية و تتكشّف على مستوى “الروح الروحانية.””

خلال القرن السادس العشر، ستذهب القبّالة اللّوريانية، التي أسسها إسحاق لوريا النافذ جدا، إلى أبعد بدمج تناسخ الأرواح و نظرية التحول الجنسي: قد تتجسد روح رجل في جسد امرأة. بالتالي، قد يتزوج رجل برجل في جسد امرأة. ذلك التجسد في جسد امرأة عقاب جزاء ممارسات جنسية مثلية في الحياة السابقة. لكن هذه الفكرة ليست بالجديدة، قدّمها عِزْراء الجَرَندي حوالي 1225.

يبدو أن أفضل تلامذة إسحاق لوريا، حاييم ڤیتال، هو الأب النظري لتأجير الأرحام. باختصار، لا يمكن لروح رجل في جسد امرأة أن تحبل. لكن بفضل عملية باطنية اسمها عيبّور (أي الحمل)، قد تحتل المرأة مؤقتا جسد الأم المستقبلية ذات روح الرجل. يولد الطفل إذن من ثلاث آباء: الأم (التي لها روح ذكرية لها ممارسات جنسية مثلية في حياتها السالفة)، الأب و الأم الخفيّة. “الطفل الذي يولد من اتحادهم، في غالب الأحيان فتاة، هو المرأة الأنثوية التي عادت إلى جسد جديد.”
نحن هنا إذن في حالة زوج مثلي حصل على طفل بفضل أم خفيّة، التي نسمّيها اليوم الأم البديلة التي تلد طفلا يربّيه زوج مثلي. الأم البديلة في معظم الأحيان مجهولة من طرف الطفل، أي هي أم خفيّة.

كتابات قبّاليي صفد (حيث ولدت القبّالة اللوريانية) خلال القرن السادس عشر “تفتح إمكانية نظرية للاعتراف الديني بالزواج بين الأشخاص ذوي نفس الجنس، بتعدد الآباء، بالأبوة المشتركة و بالأبوة المثلية. يكفي بالفعل تمديد منطق العقيدة اللوريانية و توسيع المكونات المجتمعية و القانونية للعواقب الجسدية للتشوه الجنسي بين الجسد و الروح لكي تُعَبّد طريق جديدة”، يختم شارل مۆپسیک.

Leave a Reply

Your email address will not be published.