الحلقة السادسة: المؤلف الغائب بين السارد والقارىء
في ركن قصي من أبعاد المكتبة، حيث الضوء يتسلل كعادته إلى الأركان من الثنايا بخجل، جلس الثعلب هذي المرة يعتريه هم السؤال لا القراءة، همان يثقلان كاهله مثلما أثقلت الأسفار بروح معانيها على رفوف المكتبة. من يشاهد المكتبة كمن ينصت إلى مقامات صامتة، وكل عنوان فيها يفتح فجوة في وعي المتلقي حينما تلتقم عيناه أحبارها المنسوخة على الورق. قال الثعلب وهو يمرر كفه على غلاف كتاب مهترئ:
“سيدي إيكو، أجدني يتخطفني هذا السؤال في كل مرة، ووددت طرحه عليكم، حين نقرأ، من الذي يتكلم؟ هل هو المؤلف الذي نعرفه بالاسم؟ أم صوت آخر ثاوٍ يختبأ خلف الكلمات؟”
أجاب إيكو من فوره بصوت ناعم منبعث من نبر الحكمة التأويلية:
“يا ثعلب السيمياء، حين يُكتب النص، يولد فيه مؤلف “غير مرئي”، المؤلف الذي نعرفه بالاسم ونقرأ اسمه ليس هو “من كتبه”. تبدو هذه مفارقة عجيبة، لكن دعني أفكك لك الرموز الخفية قليلا. يقول رولان بارت، إن المؤلف يموت حين يولد النص، وقد تحدثنا عن هذا الأمر في مجالسنا السابقة. وأنا أقول أنه “يعود إلى الحياة في كل قارىء، هي نفس المعادلة ولكن بصيغة مختلفة.”
تنهد الثعلب وتمدد بعد هذا الجواب “الإيكُوِي”، وزرع سؤالا آخر لا يقل أهمية عن السؤال السابق:
“لكن أليس من الجور والحيف أن نقصي المؤلف؟ ليس من حقنا ذلك وهو الذي يقف خلف الفكرة، وهو من زرع الفكرة من الأساس؟”
ابتسم إيكو قليلا، لأنه تعوَّد أسئلة ثعلب السيمياء التي يلقيها – من بين مخالبه – وأضاف:
“إن زرع الفكرة لا يعني امتلاك الثمرة. المؤلف أشبه بمن يطلق السهم، سهم المعنى، لكنه لا يتحكم في مساره. إن القارىء هو من يضع هدفه، وسياقات القراءة هي ما يمنح النص حيواته المتعددة. في العموم النص يحيا حيوات جديدة. أيكفيك هذا الجواب؟”
أخذ الثعلب مسافة من الجوب، كأنه شبه غير مقتنع، وعلق بسؤال من خبث وذكاء:
“لكن، سيد إيكو، أليس من الغريب جدا أن يكون النص بلا مؤلف؟ هل هذا مقنع لأحد؟”
رد إيكو وهو يفهم مقصود سؤال ثعلب السيمياء:
“الجواب كالتالي: كلما قل حضور المؤلف، زاد حضور السيميائي، والنصوص التي تكتفي بتأويل واحد أو تكتفي بظاهرها هي نصوص ميتة، ليست أيقونية، جامدة، وتموت سريعا، أما النصوص التي تتوارى خلف المعنى الغميس، فهي التي تعيش أطول مدة زمنية. هذا هو مضمار الكتابة الحقيقية، أما غير ذلك فلا !”
انتهى الحديث بعد هذا الرد، وقف الثعلب هامّا بالخروج لكنه استدار ناحية إيكو وقال:
“ربما علينا أن نقرأ لا لنفهم الكاتب/المؤلف، بل لاكتشاف ما نحن عليه ـ بالفعل ـ من خلاله. الكاتب إذن هو جسر لنا لاكتشافنا.”
هز إيكو رأسه موافقا، وأغلق كتابا كان يزدري صفحاته ببطء، كمن يغلق بابا آخر في زقاق من زقاقات التأويل، وجدية الاستنباط، والمبارزات السيميائية مع الثعلب.
(يتبع)

Leave a Reply