إن الهجرة في حد ذاتها لا مفر منها سواء عاش الإنسان وضعا مريحا أو مستقرا، فما بالك بالذي يهاجر مرغما سواء من الجنوب إلى الشمال أو من الشرق نحو الغرب، فالجغرافيا ليست المشكلة في حد ذاتها، فكل البلاد بها ما يكفي ويزيد عن حاجة سكانها، بل ما يريده الفرد المهاجر اليوم في الجنوب هو هجرة التخلف والفقر والاستبداد والعبودية، يريد الهجرة نحو غد مشرق ببساطة.
هل بالإمكان أن نمكن لهذا المهاجر الذي يريد هجرنا، ويريد ألا يشاطرنا الأرض ذاتها ونفس نمط الحياة، أم أن الأمر صعب لدرجة الاستحالة، أو لأن سياسات الهجرة بالدرجة الأولى لم تعد بنفس الخوارزميات، بل وقع تعديلها، وتم قفل الباب في وجه الجماهير التواقة لهجرة واقع بلدها وأسرها البئيس ؟ أم أن الأمر يتجاوز النظرة الضيقة الكلاسيكية في الموضوع ؟ وهل ترى الصورة مكتملة لدى من يعارض ومن يؤيد أو من يستكين في خط الوسط والحياد ؟
الملاحظ أن الغالبية لا تناقش حقوق الإنسان في صورتها العامة والشمولية أو حقوق الإنسان في بساطتها، بدء من حق الطفل ووصولا إلى حق الشيخ !
بنظرة خاطفة على الفيلم الذي أحدث ضجة قبل أسابيع تحت عنوان “حياة الماعز” وهو فيلم هندي ينبه العالم أو على الأقل مكانا ما في هذا العالم أن البشر عند بعض بني البشر هم مجرد حيوانات سيرك في أقفاص كبيرة أو أنهم مخلوقات خلقت لتلبية الاحتياجات الخاصة لعلياء القوم ومن في يده زناد القوة والقهر، بحيث لا حق لك في الاختيار في أن تخرج من وضع ليس طبيعيا بالمرة لأنك مقيد بقوانين مجحفة تنتصر للغني، وتضع الضعيف في خانة الغبي والأجير والعبد! إذن فالخلل في القوانين لكن ما يزكيها هو ضعف الضعيف وجعله ورغبته الملحة في تغيير حاله تحت رحمة سجانه الذي يخار سجنه أطول مدة ممكنة طالما هو يستفيد منه ومن صمته ومن ضعف القوانين في صفه.
الحال يشبه كثيرا حال من ازداد في بلد جميل به طبيعة خلابة ونمط معيشي جيد وما إلى ذلك مما أضفته طبيعة الخالق عليه دون تدخل الحكومات، بيد أنه يجد نفسه في براثن الفقر والهشاشة والتبعية وضعف الخدمات والإدارة وغير ذلك من سبل العيش الكريم. حينما تصطدم بهذا الواقع المرير، في دولة من دول الجنوب أو دول تعيش تحت مستوى الفقر أو أن أحوالها ليست بالجيدة برغم أرقام تصدرها الحكومات والوكالات، وسياسات عمومية جافة ومجحفة لا تنعكس على المواطن البسيط خاصة الشباب والنساء والأطفال، سيما من قبيل الشغل والدخل والسكن اللائق وغيره فهذا مما يدفع الشباب دفعا نحو مغامرة محفوفة بمخاض المخاطر.
ما حكاية “حياة الماعز” المغربية إذن وقضية الهجرة نحو الشمال ولربما إلى أي جهة قريبة لو توفرت أو حتى بعيدة ؟
الأمر وما فيه هو أن كل السياسيات العمومية تحولت إلى كوابيس “همومية”، أصبح يحمل همها الطفل والشاب قبل الشيخ والكهل ومن يقدر على المسؤولية، حيث لم يعد المسؤول ينتج سياسات عمومية ناجعة ومباشرة الأثر على الطبقات الكادحة أو المسحوقة، فلا المدرسة عادت هي المدرسة ولا الجامعة جامعة ولا سياسات التشغيل هي كذلك، بل كل ما في الأمر هو أننا انتقلنا من تدبير بالسياسات الحكومية إلى تدبير المشاريع الخاصة والتحول نحو الرأسمال البشع الذي لا يملك وقتا ولو قليلا لتصريف سياسات عمومية خاصة بتلك الفئات، فالنخبة المتحكمة صارت أفسد من ذي قبل، وشباب اليوم ليست لهم طاقة الصبر على واقع مرير، كما في سنوات خلت.
هل الإلدورادو الأوروبي هو الحل ؟ الحل اليوم لم يعد مرتبطا بدولة واحدة، الحل يجب أن يأتي من الجميع، ونحن نعلم أن الجميع اليوم في حرب مع الجميع، ومن يضيع بين الأرجل طبعا هو أدنى الطبقات، فلا سياسات هجرة صارت كما قبل، ولا الاقتصاديات المنهكة قادرة على تحمل هجرة الجميع نحو شاطىء الأمان والرخاء المادي والمعنوي.
إن المشاهد لصور المراهقين والقاصرين والقاصرات والأمهات والمهاجرين من جنوب الصحراء وغيرها والانتباه إلى تصريحاتهم يُستنتج منه شيئا مهم وهو أن الجميع يريد الهجرة وبأي ثمن وهذا لحد ذاته مسألة غاية في الخطورة والحساسية!
البابا قبل أيام عندما سألوه عمن يجب على المسيحيين التصويت له في أمريكا في قابل الانتخابات، صرح قائلا بأنه يجب التصويت للأقل “شرا”؛ فحسب قوله إن كامارا هاريس وترامب هما ضد الحياة، فالأولى مع الإجهاض والثاني ضد المهاجرين !
إذن، فالحق في الهجرة هو حق في الحياة، فعلى الأقل إذا لم يجد الإنسان وسيلة للعيش في موطنه، وجب عليه الهجرة بحثا عنها في مكان آخر، فهذا من صميم الدين ومن صميم القوانين لكن الحكومات تؤثر الصمت لأن عجزها غالب على حلولها، وحلولها لا ترقى لمستوى تطلعات شعوبها!
من الصادق القول بأن المواطن إلم يجد مع يحتضنه ويرعاه في بلده فالأجدر له أن يبحث عمن يستفيد منه في دولة أخرى تقدر قيمة البشر ولا تجعلهم عرضة للهشاشات والموت البطيء والفقر المدقع وتلاوين العذابات.
إن “حياة الماعز” باختصار هي واقع مرير بعض سكان الأرض سيما في دول تعيش التدهور في جميع مناحي الحياة، فلا تكفي حينها الشعارات، ولا الخطب والتجمعات السياسوية، بل إن الحلول المناسبة للمرحلة هي تقديم فرص للشباب وضمان حقوقهم في التمدرس الجيد والشغل والاستفادة من خدمات وسياسات عمومية ناجعة. لا يمكن بأي حال أن تستمر حياة الماعز المغربية وأن نرى جحافل الشباب وهو يتحدثون بحرقة شديدة عن أوضاعهم وأوضاع أسرهم، وأنهم مستعدون للموت في سبيل تحقيق حلم الحرية والكرامة الإنسانية التي لم يجدوها في بلدهم الأم، رغم أنهم لا يكرهونه بل أكرههم المسؤولون الفسدة على كرهه، وأجبروهم على مغادرة حياة الماعز وبلاد الماعز إلى غير رجعة أو على الأقل حتى يتسنى لهم تحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية.

Leave a Reply