“حين تتكلم الغابة بلغة الفلاسفة”
كانت الغابة ساكنة في صباح رمادي، والندى يلمع على الأوراق كحروف مخطوطة على جلد الزمن. جلست عند حافة جدول ضيق، أرقب الدخان يتصاعد من أنفاس الأرض بعد مطر صيفي، وقلت في نفسي:
لو أصغى الإنسان قليلًا، لسمع أن الكون يتهجّى نفسه من جديد كل فجر.
أحسست لحظتها كأن براح الغاب يكلمني بلغة مرموزة، يحثني على التأمل في ملكوتها ومسائلة الحاضر والمستقبل. أخذتني لحظة تأمل بين واقع الإنسان وكأني أسمع بالغاب تحاضر أمامهم :
“لماذا يا ابن المدينة تركضون نحو نهايتكم وكأنكم تلاحقونها عمدًا؟”
ابتسمت أمام الغاب من دهشة السؤال. لم أجد جوابًا إلا بتأمل المشهد أمامي وهي تضيف المزيد:
الغراب يسرق قطعة خبز ثم يختفي بين الأغصان.
الأسد والذئب والثعلب يصيد لكي يسد جوعه لا لكي يقتل.
السلحفاة تشق طريقها ببطء مطمئن.
الأشجار تهز رؤوسها كما لو كانت تحيي النسيم والرياح.
كل كائن هنا يعيش لأنه فهم معادلة البقاء؛ ليس الأقوى من يبقى، بل الأكثر انسجامًا مع إيقاع الحياة.
خلت واحدا ينوب عن بني البشر يتقدم بالجواب بكل صراحة :
أما نحن، فنحمل المدن فوق أكتافنا كتوابيت مفتوحة، نحارب بلا سبب وجيه، ونكدس المال كمن يكدس حجارة في سفينة مثقوبة.
الغابة لا تعرف الإسراف ولا تعرف الطغيان. قوتها في حكمتها، وحكمتها في صمتها. حتى الصراع هنا له أخلاقه: الذئب يفترس حين يجوع، لا حين يملّ.
أما نحن فنأكل ونقتل ونبني حروبًا لمجرّد أن نثبت أننا على قيد السلطة.
نظرت نظرتي الثعلبية، وقلت بما يشبه ملخص الدرس الأخير:
“من لا يفهم لغة الغابة، لن يفهم لغة الكون.”
حين عدت إلى جحري بعد هذا التجوال المعتاد، حملت في رأسي هذا الصمت الشاسع. شعرت أن كل ضوضاء البشر مجرد صرخات كائن تائه فقد روحه القدرية الأصيلة.
أمدّ بصري بعيدًا فأرى قرص الشمس قبل المغيب تحاول أن تشق طريقها عبر الضباب والأفق لتتوارى، فتذكرني بنفسي وبكل البشر حين نحاول شق طريقنا في عالم مليء بالغموض والخوف. هنا يتضح لي أن الكون والغابة وجهان لعملة واحدة؛ الأول يختبر صبرنا على المجهول، والثاني يختبر قدرتنا على البقاء دون أن ننهار أمام غرائزنا.

Leave a Reply