هل عاد الإنسان الرقمي إلى عصر السيرك الروماني والخبز ؟

الإنسان الرقمي

لاعب كرة قدم أو سلة أمريكي يتلقى أجرا فلكيا خياليا لا تعطيه حتى أرقى الشركات الكبرى ؟ ترى ما السر ؟

قنوات إعلامية ضخمة تنفق الملايير على موظفيها للإنفاق على قنوات الحفلات والنجوم والمجون وما إلى ذلك ؟

إضافة إلى إطعام جوف الجماهير أو تصيد لقمة عيشهم حتى لا يطالبوا بما هو أكبر عبر رفع الأسعار وتصوير الحصول على لقمة العيش على أنها كرامة وعلى أنها ذات شأن وقيمة يمن بها صاحب الصولجان على رعاياه من بني الإنسان ؟

لا يخفى كثيرا على المتابع للشأن الدولي والعام أن البشر اليوم في حالة موج عارم بين المصالح المشتركة والذاتية، وأن الذاتي منها يطغى بشكل كبير على المشترك والروابط الكبرى بين الأمم خصوصا أنهم يعيشون فوق كوكب واحد ويشربون من نفس ماءه ويتنفسون هواءه على صعيد واحد، لكن ليس من الغريب القول بأن “ليس بالخبز يحيى وحده الإنسان” بل هو صلب الموضوع وأهم عنصر من عناصر الحياة، لكن الأمر اليوم تغير في شكله أو عاد إلى حقبة سابقة معروفة ب”سيرك القيصر” أو “الخبز والسيرك Panem et circuses” فهل تراه حقا هو ما نعيشه في هذه الفترة المعاصرة ؟

رجوعا إلى المصطلح الذي ظهر مع الشاعر الروماني الذي كان يهزء في أشعاره، خصوصا عندما كان الشعب قد تلهى في نعماء الزعماء المتمثلة في العروض التي كانت تقام في السيرك والمسارح والحفلات الراقصة، وأن الحاكم المطاع يستجلب هذه الأدوات بغاية تخدير وعي الشعب بإلهاءه عن مصالحه الحقيقية، دونما تغيير في أوضاعهم نحو الأفضل. العنصر القائم هنا على الإطعام وملىء الجوف بالخبز وإلهاء الجماهير بشكل هستيري، هو صميم عصرنا الحاضر في مستويات مختلفة مختلة الأوضاع سواء على المستوى المحلي أو الدولي.

قد يتساءل متسائل هل السيرك والمسارح والحفلات كلها بغرض الإلهاء ؟

وقد يقول آخر وهل الإطعام هنا أيضا بتوفير لقمة العيش هو القصيد في هذا الأمر فقط؟

طبعا، القصد من خلف هذه المفردات كلها، حيث أن الإطعام يكون بقصد التحكم في الرعية حتى لا تثور على المنظومة، وهنا نحدد أن مطلب الخبز ليس ثوريا بل هو الحد الأدنى في الطلب، وأن الخبز ليس ترفا أو شيئا باذخا، لكن السياسة تستعمل الخبز ولقمة العيش لإبعاد النظر عن مصالح كبرى يتنعم فيها الحاكم وحاشيته والمنظومة بشكل عام. أما في ما يخص أساليب الفرحة فهي أيضا وسيلة غاية في الأهمية لثني الجماهير عن همومها الآنية والمستقبلية المتمثلة في الكرامة والحقوق والمعاملة الحسنة ف”الغاية تبرر الوسيلة” كما يقول مكيافيلي.

السؤال ينزلق أيضا إلى الحاضر، فهل نحن أيضا في سيرك كبير تفرق فيه لقمة الخبز “أعطهم خبزا وسيركا ولن يثوروا أبدا (الشاعر الروماني جوفينال)” حتى تخمد همة تنبيه الجماهير على خراب الواقع ؟

حتى نكون منصفين لا يجب أن نقول بأن فنون الفرجة والفرح هي وسائل خسيسة في حد ذاتها، بل الأصوب أنه وقع الترامي عليها لتصير سلاحَا فتاكا في وجه الجماهير وهي وسائل الإعلام المختلفة أيضا التي تدوخ الوعي، وتخدر المشاعر وتُزيف الحقائق، وبالتالي يسهل الانقياد والأمر والطاعة.

مظاهر اليوم الحياتية لا تختلف كثيرًا عن عصر الإمبراطورية الرومانية والقيصرية، هناك فاعلون تلونوا بلون العصر وأصبحوا يؤدون نفس الدور بشكل مختلف لكنه قريب جدا من أمس. مسارح اليوم هي تلك الملاعب الرياضية الكبيرة والضخمة في كرة القدم والسلة وغيرها من الرياضات، إضافة إلى وسائل اللهو الحديثة من رهانات وإشهارات وألعاب إلكترونية وقنوات إعلامية ناطقة ومكتوبة ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب وغيرها هي من وسائل طمر الوعي وتغييبه خصوصا في شقها السلبي والمدافع عن أطروحات جهات نافذة، والإجبار على عدم قول الحقيقة والخوف من مواجهتها، وقمع جميع الأحرار الذين يرون الأمور من منظور الحقيقة التي لا تحيد ولا تزيغ.

يقولون من يربح معركة الاعلام يربح المعركة، والسيرك هو إعلام موجه في الغالب وتصرف فيه ثروات ضخمة بغرض الإلهاء والحد من التفكير وكي يتبع القطيع الراعي لا غير، وما الخبز إلا وسيلة عيش حتى لا تثور الجماهير ويبقى لها شيء من الأمل المخدِّر وحتى لا يكون هناك داع لإقلاق راحة بال ذوي النفوذ.

ما الحل إذن اليوم وغدا وبعد غد ؟

لا حل مضمون سوى أن يقوم من يهمهم الأمر بمزيد من التوعية في المدرسة في الإعلام والندوات والمحاضرات والشارع وجميع الفضاءات المشتركة، فهي فيصل الصراع، وهي حدود مواجهة شئنا أم أبينا في ساحة الوغى التوعوية. ما تبقى من تاريخ الرومان القدماء يعاد صياغته اليوم، لكن لا فكاك من تقبل الحقيقة ومحاولة مواجهتها فنحن في زمن “السيرك والخبز” بامتياز.

الحقيقة الحالية هي أن هذا يعود دوما في كل مرة سواء قديمًا أو حديثًا كلما زاد منسوب الطغيان والتحكم والسلطوية، ونقص منسوب الحرية والعدالة والمساواة، بل هو في كل عصر ومكان، ولن يختفي ما دامت الجماهير راضخة والمتنفذون يمسكون بوسائل التسلط، ولكنه يختفي كلما علت أصوات الأحرار ورفضت تخدير الوعي وتسييسه بعروض المصارعات الرومانية وكسرة خبز لا تغني ولا تسمن من جوع الحرية والكرامة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.