افتتاحية الثعلب (32)

افتتاحية الثعلب

حين تتكلم الخرائط بصمت قاتل

منذ أن رسم سايكس وبيكو حدودنا على خرائط بلا روح، وهما شخصيتان مهمتان في تاريخ التقسيم، ومذاك ونحن نقاد بالسياط والحدود والخيوط الوهمية وتكلفة الحروب والصراعات، وهذه الأشياء لا يراها بعمقية سوى من فهم لغة الجغرافيا السياسية. فالخرائط ليست مجرد خطوط وحدود وتقسيمات، بل هي جدران يحفها الصمت، وتقرر من يحكم، ومن يقصى عن الحكم، وهي من تحدد “المُحاصَر” في بلده تحت مسميات شتى من بينها ”الواقعية السياسية” و “الشرعية الدولية” و “حقوق الأقليات” و “الوطنية” إلخ…

نحن هنا نتكلم عن السيادة في عالم لا تقاس فيه السيادة بعدد الجنود أو طول الحدود، بل بمدى قدرة هذه الدولة “المزعومة” على حماية قرارها الوطني من “الاستيلاء والاستلاب” من النفوذ الخارجي، وتحصين اقتصادها في صفقات الترهيب والترغيب والتغريب، وعقود الإذعان من جانب واحد. كيف لأمة سواء في الشرق أو الغرب أو في الشمال أو الجَنُوب النهوض وخريطتها مرسومة بعقل استعماري واستخباري خبيث، ما زال يوزع الفوضى والصراعات ويجملها على أساس أنها مساعدات إنسانية أو تعاون مشترك أو بناء الدولة بعد خروجها من تحت مخالبه “شكلا”!

لقد أوعز لنا التاريخ الطويل البشرية أن الذي لا يتحكم في خرائطه، يتحول إلى تابع ولو من بعيد في خريط المنتصر، والأمثلة شاهدة على غرار تقسيم بريطانيا للهند، وهي تقول بأنها تضمن الاستقرار، والأمثلة تتواتر على غرار استعمار شمال إفريقيا حيث وعد المستعمر بأنه جاء للتمدين، بيد أنه جاء في الحقيقة للتوطين. والأمثلة المعاصرة حية ولا حاجة لذكرها لأن المرام واحد لا يتغير، السلام والاستقرار والتحضر!!!

لكن السؤال الأخطر المطروح: أين نحن من كل ما يجري؟ هل أصبحنا عبيدا داخل أقفاص الخرائط، وهي خرائط أظن أن الزمن قد عفى عليها، وهل نمتلك الجرأة لإعادة رسم مصائرنا؟ هناك حكمة قديمة تقول : “من لا يرسم طريقه بيده، سيسلك طرق الآخرين حتى وإن قادته إلى الهاوية”.

تحتاج الشعوب اليوم أيما حاجة ملحة، وخصوصا العربية والإسلامية والدول من صنف الدول النامية أو المتخلفة إلى وعي جديد، وعي غير مزيف وغير ملوث بأفكار الغرب المسمومة، وعليها أن تدرك أن الجغرافيا ليست قدرا، وأنها قادرة على الفكاك من ربقة الاستعمار وقيود الخرائط وكلاب الحراسة عليها، عليها أن تعي – وهي قادرة – بأن الإنسان وحده من قدر ويقدر على صياغة مستقبل يليق بالأرض والإنسان.

Leave a Reply

Your email address will not be published.