في عيد العرش لهذا العام، أطلّ الملك محمد السادس بخطاب حمل جرعة مكثفة تجمع بين الواقعية والتحذير. ولم يكن الخطاب الذي ألقاه هذه المرة مجرد احتفال رمزي، بل مرآة لمغرب يتأرجح بين منجزات اقتصادية مشهودة وتحديات هيكلية تطرق باب المستقبل بقوة يراها الصغير قبل الكبير.
أزمة الماء المستفحلة: أولوية تدبير العطش على جميع السياسات
أولى الرسائل التي شدّت الانتباه كانت حول أزمة الماء، حيث حذّر الملك من استمرار سنوات الجفاف المتتالية، ودعا إلى تسريع برنامج الماء الوطني 2020‑2027. هذه الرسالة تحمل بعدًا وجوديًا؛ فالأمن المائي بات شرطًا للاستقرار الاجتماعي والفلاحي والصناعي. غير أن النقد الجوهري يكمن في بطء التنفيذ إلى غاية اليوم، والعديد من المناطق ما زالت تعاني من أزمة العطش وأخرى على حافة الأزمة، إذ ما زالت محطات التحلية والسدود حبيسة الورق وتطويرها لا زال ينتظره الكثير، في ظل غياب صرامة تتبع المشاريع وتداخل صلاحيات الفاعلين.
التنمية الاقتصادية: نموّ بسرعتين
الخطاب أشاد بـالقفزة الصناعية في مجالات السيارات والطاقة المتجددة وتوسّع الصادرات نحو ثلاثة مليارات مستهلك. لكن خلف هذا الإنجاز، يظل الواقع صريحًا:
مغرب الداخل يعيش اقتصادًا متباطئًا بينما الأقطاب الساحلية تنعم بزخم الاستثمار والتشغيل. العدالة المجالية التي شدّد عليها الملك، حين قال «لا مكان لمغرب يسير بسرعتين»، تبقى شعارًا صعب التجسيد دون آليات محلية للمحاسبة وتمويل مباشر للجهات، لا سيما أن السنين تتوالى والفوارق لا زالت تتوسع أكثر فأكثر لذا فإن السرعة في سد هذه الفجوات قبل استفحالها يبقى هو الذي ينتظره عموم المغاربة.

الإصلاح السياسي: بين الإرادة والآليات
إعلان إعداد الإطار القانوني للانتخابات قبل 2025 يحمل نفسا إصلاحيا، لكنه يفتقر إلى تفاصيل عملية حول تمويل الأحزاب، إعادة هيكلة التمثيلية، ومحاربة العزوف الانتخابي. إن تحوّل هذه التوجيهات إلى قوانين واضحة هو الذي سيحدد مدى قدرة المغرب على إنتاج حياة سياسية حيوية تُوازي تطلعات التنمية. والملاحظ أن الملك هذه المرة أعطى اليد العليا لوزارة الداخلية في تجاهل تام لرئاسة الحكومة في شخصها عزيز أخنوش، بخلاف الولايتين السابقين من عهد حكومتي بنكيران والعثماني، وهو ما اعتبره كثيرون أهم رسالة قبل الاستحقاق المقبل، خصوصا وأن فئات عريضة باتت تعبر عن سخطها وتبرمها من سياسات الحكومة الحالية برئاسة التجمع الوطني للأحرار.
البُعد الدبلوماسي: رسائل مغاربية معلّقة
الخطاب وجّه دعوة جديدة إلى الجزائر لإحياء الاتحاد المغاربي، وهو حلم قديم يواجه واقعًا صلبًا من التوترات السياسية. هذه المبادرة ستظل رمزية ما لم تُرفق بمشاريع اقتصادية عابرة للحدود تجعل التكامل المغاربي خيارًا عقلانيًا لا مجرد تمنّيات. بيد أن سياسة اليد الممدودة لا زالت من طرف واحد فقط، ولا زال ينتظرها الكثير، حيث أن الجميع مطالب بتقديم تنازلات ووضع اليد في اليد للعبور نحو مستقبل مغاربي مشترك.
بين النص والواقع: الرهان على الفعل
خطاب العرش الأخير رسم بوضوح خريطة مغرب اليوم من خلال إنجازات اقتصادية متقدمة، مقابل تحديات مائية ومجالية وسياسية تستعجل المعالجة. ولعلّ السؤال الجوهري الذي يهم القارئ المغربي هو:
هل ستتحوّل الإرادة الملكية إلى فعل مؤسسي يلمسه المواطن، أم سيبقى الطموح رهين خطابات سنوية؟ المواطن ليس بمقدوره الانتظار، فالانتظار قاتل للأمل، وبهذا المعنى، لم يكن الخطاب رسالة طمأنة فقط، بل جرس إنذار ناعم: المستقبل لن يُصنع بالشعارات ولا بالمكتسبات المعزولة، بل بقدرة الدولة على تحويل رؤيتها الاستراتيجية إلى منجز يومي ملموس في حياة المواطن.

Leave a Reply