متقاعدٌ أنا أم متحرّرٌ ؟

                             متقاعد أنا  أم متحرر ؟      

متقاعد أنا كما اصطلح علي وعلى أمثالي. متقاعد أنا، وكلمة المتقاعد بعيدة عن الانطباق علي وعلى من يوصفون بها  لا إنسانيًا ولا معرفيا ولا عمليًا وواقعيًا. بحثت في معاجم اللغة العربية فوجدت أن المتقاعد لغة يعني: الجالس في البيت. واسم مصدر قعد هو قعود. واقعد تعني منع.  أقعد المرض فلانا معناه منعه عن المشي. وأقعد فلان يعني  أصابه داء في جسده فأقعده. وفي معجم المعاني الجامع تعني كلمة قعد جلس الشخص بعد أن كان واقفا.  وفي نفس المعجم : المتقاعد هو اسم  يطلق اصطلاحًا على المحال على المعاش. كلمة متقاعد على وزن متثاقل و متكاسل يعني الإنسان الكثير القعود.  فكيف اختيرت الكلمة لتسقط على حالة إنسان انتهى مساره المهني رغم أن لا عَلاقة بينهما. الملاحظ حسب تلك التعاريف أن العَلاقة في المعنى اللغوي والاصطلاحي  بين كلمة المتقاعد و الشخص المنتهي مساره المهني هي: الجلوس والقعود والمنع والتحول إلى إنسان ميكانيكي يعود نهاية كل شهر إلى سحب ما اصطلحوا عليه كذلك معاش. علما أن كلمة المعاش نفسها تحمل في طياتها حمولة قدحية  لأنها تنطوي على الإعالة والتصدق من المحتمل أن يكون اللغويون والاصطلاحيون والمشرعون في قرارات نفوسهم فعلا اختاروا ذلك المصطلح ليعتبروا من هم في نهاية الخدمة بشرا  انتهت صلاحيتهم  وليسوا سوى مجرد جلوس قعود وعالة على المجتمع. والحقيقة أن لا عَلاقة بين صفة فترة ما بعد انتهاء المسار المهني للشخص وبين كلمة من فعل قعد.  والأجدر والأحرى تسمية  تلك الصفة بالتحرر والمتحرر بدل التقاعد والمتقاعد. أَإِنسانيا  أمنطقيا  أن يوصف من أفنوا زهرة أعمارهم في التنمية في شتى المجالات بالجالسين في البيوت. والمنتظرين لمن يسندهم ويعيلهم. قدحية كلمة متقاعد أكثر مما هي معبرة. طالها التنكيت حتى أقحمت في الأنترنيت في باب المعنى اللغوي للكلمة حيث أرجع البعض أصلها الى أنها مشتقة من كلمتين هما {مت } و {قاعد} بمعنى مت-قاعدًا.

متحرر أنا ولست بمتقاعد ولا بجالس . متحرر أنا واقف وقوف الشموخ في مرحلة جديدة من عمري وحياتي كانت سنوات مهنتي قد حجبتها عني لما نذرت لها أكبر نسبة من عمري. مرحلة الاستمتاع بكل لحظات الحياة أسريا وعائليا واجتماعيا وشخصيا. ماسكا العصا من وسطها كما جاء في الأثر [اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا] في حياة ما بعد نهاية الخدمة أنا متحرر طليق ولست متقاعدا راضخا ومستسلما قاعدا كما يحلو للبعض ترسيخه في نفوس الفئة العريضة من أمثالي. متحرر  أنا من المهنة وقيودها وضوابطها وتشريعاتها وأوقاتها متحرر من المشرفين علي فيها والمراقبين. أنا في حياة متحرر فيها منسلخ عن كل ما كان يقيد ويحد ويعيق حياتي الأسرية والعائلية وهواياتي وأعمالي الشخصية. كل مرحلة من حياة الشخص بنكهتها ورونقها وجماليتها وانشغالاتها وأحلى تلك المراحل هي التي يتحرر  فيها الفرد من كل تبعات العمل المهني  ويولي بوصلة كل همه وعمله لحياته الخاصة واهتماماته العملية الحرة متحررًا من كل أغلال أنظمة العمل المهني ومن التزامات أوقاته. حياة ما بعد نهاية الخدمة المهنية هي التي يستمتع فيها الفرد بنتائج وثمار  جهده الحياتي في بناء صرح حياته الأسرية والعائلية وهو في استقرار منعمًا بذرية صالحة أبناء وحفدة. ويستمتع بمشاغله الشخصية  العملية والثقافية والفكرية وهو بكامل حريته. فلا تقل مرحلة ما بعد نهاية عمل الشخص المهني عن بقية مراحله العمرية  بل إنها ترقى الى مستوى تمثيلها لطبق فاكهة عمر الإنسان. فاللهم أدم على كل المنتهية مهامهم المهنية المتحررين الأحرار نعمة الصحة والسعادة والطمأنينة. وعظم الله أجرهم على كل ما أسدوه من خدمات في مساراتهم المهنية طبقة عاملة كانوا او مستخدمين مهنيين  أو أطرا وكفاءات. فقد شيدوا وبنوا وانتجوا وأداروا عجلة التمنية بكل اقتدار وليس بمجرد الوقوف كما يفهم من عكس كلمة ”قعد”.

تحية لكل من هم في حياة ما بعد نهاية سنواتهم المهنية، للمتحررين تحية من العمل وليسوا المتقاعدين منه.

ومتمنياتي لهم في المرحلة الجديدة من حياتهم بالاستمتاع خلالها بفاكهة أعمارهم وهم بحيوية ونشاط لا يقلان عن حيويتهم المهنية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.