افتتاحية الثعلب (34)

افتتاحية الثعلب (34)

العائلة رمز التحولات العميقة في المجتمع

وراء جدران البيوت، تجلس السلطة على موائد العشاء دون سابق استدعاء، لا على هيئة دولة، بل في صورة أب صوته لا يرد عليه، أو أم تختزل العاطفة في الخوف، أو أخ كبير يعامل بقية الأفراد بصفة ظل الحاكم. الأسرة التي من المفترض أن تكون هي الحضن الأول والأخير للكرامة والحرية، ويا للعجب، تتحول في كثير من الأحيان إلى مختبر ومشتل مبكر للطغيان والاستبداد.

ليس مستغربا أن تجد الأجيال التي في الشارع تخشى السؤال، وجلة من طرح الأسئلة، مرتبكة في خياراتها، وحائرة بين مشيتين، مشية الطاعة أو مشية الكرامة. فحينما يُقتل النقد في مهده، ويُربى الطفل على أن الاختلاف وقاحة، يتحول المجتمع بغالبية أطيافه إلى ساحة كبرى للقمع الذاتي وجلد الذات.

نحن هنا نأسس دون أن نشعر، إلى مأساة الفرد/الأفراد، ومأساة المجتمع، ومأساة الأمة، ومأساة البشرية؛ إنها الطريق الأقصر نحو العبور إلى مفهوم الظلم والاستبداد، فمن لا يستطيع قول “لا” في بيته، لن يستطيع قولها في وجه الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره، وهذه معادلة صحيحة ولا شك في صحتها. فمن لا يتعلم أبجديات الحوار إبان طفولته، ويرضع من حليب قوامه أن الحوار قوة، سينقلب هو نفسه لاحقا على كل حوار حين تسنح له الفرصة للانقضاض على السلطة أو حين يمارسها.

يقول أرسطو : “العائلة هي الخلية الأولى للدولة”، وهذا ما يحيلنا على أشياء غاية في الأهمية حين نفكك هذه المقولة. فإذا فسدت هذه الخلية، تسرب العطب حتما إلى الجسد كله، تماما مثلما يحدث في العلوم الطبيعية. وما دام منطق السلطة (الأسرة/العائلة/المجتمع) لا يقوم على المشاركة بل على القهر، ستظل الدولة امتدادا أو امتدادات طبيعية للعائلة بما تحمله من أعطاب، وستظل علاقة المواطن بالدولة شكلية لا غير.

إن الأمل لا يغيب ولو حتى في أحلك ظروف القهر، والاستبداد الغاشم، فلا بد أن يضيء عتمة الظلمة شيء من النور في نهاية النفق، فهناك أصوات جديدة ترتفع، شباب يتحدثون بلغة الاحترام، شباب جاد وواعٍ بالتحديات، فتيات وفتيان يكسرون حواجز وسقف الخوف، وأسر كثيرة عديدة تعيد بناء هيكلها الداخلي على أسس الحوار لا الطاعة العمياء. هذا ما يمكن أن نسميه “التمرد الجميل”، شيء يولد ولا يعلن ولادته بصخب، لا يعلن عن نفسه بالضجيج المرتفع، وهذه هي الثورة الحقيقة التي نريدها من أجل إعمار الأرض بالخير وتجديد عطاء المجتمع البشري بوضعه المتردي حاليا.

وبما أني ثعلب مشَّاء وحكَّاء، وبما أني رمز للدهاء والحكمة والغريزة المتوقدة، فمما أنصح به هو؛ فلنتعلم كيفية مناورة الطغيان، ليس للنجاة فقط، بل لكسر حاجز الصمت في جذوره الأولى : في البيت/الأسرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.