افتتاحية الثعلب (33)

افتتاحية الثعلب (33)

هل نملك رَفَاهيَة البقاء خارج زمن الذكاء الاصطناعي؟

لقد ولجنا في زمن تتسابق فيه دول العالم – ليس نحو التسلح – لتطوير خوارزميات تتعلم، وتفهم، وتتنبأ، وتدقق، وتقرر، بينما ما زال الإنسان في دولنا المتخلفة روحا ومعنى، وعلما وتقنية يرزح ويترنح تحت وطأة نظم تعليمية عفا الزمن عليها، ونخب فكرية تهاب التفكير، لأنه يزعج السلطة وذوي القرار، بل ويزعج مصالحها بالدرجة الأولى وفي أحيان كثيرة، والنتيجة أن المجتمع يصير متروكا لرُهاب السؤال. إنها لعمري مفارقة حزينة أن الآلة أصبحت أحيانا أكثر إنصافا من أنظمة تفكر بعقل القبيلة ولا يحركها سوى إرادة المراوغة والتدليس.

إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تقني نشاهده وفقط، بل هي لحظة مفارقة في تاريخ البشرية، وهي تعريف جديد ومستجد لمفاهيم كثيرة لم تتغير، بل تغيرت وسائلها فقط؛ القوة، المعرفة، السيادة. وبينما يناقش دهاقنة التقنية اليوم في الغرب أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، ما زالت مجتمعاتنا تناقش مفاهيم لم تستطع لحد الساعة بلورتها بشكل يولجها مصاف الدول الرائدة، على غرار شكل النظام السياسي، الاستقرار، الحدود، عجز الميزانية، الاقتراض… إلخ لأن اللائحة طويلة.

لقد صار بمقدور الآلة اليوم أن تشخص مرضا بدقة تفوق أحيانا قدرة الطبيب نفسه، وأن تكتب شعرا يفوق أو يضاهي شعر الشعراء المغاوير، وأن تحلل سوق المال في لحظات هي أسرع وأبرع أحيانا من عقل البشر (وللإنصاف ليس دائما طبعا). فهل نملك نحن حاليا رفاهية البقاء خارج هذا السباق المحموم؟ المسألة بلا شك تدعونا للتفكير بجد لأن الوقت لا يرحم، ومن لا يمتلك أدوات العصر، يتحول هو نفسه إلى أداة، ويعيش خارج التاريخ حتى لو كان موجودا فيه، وفرق كبير بين أن يذكرك التاريخ، وأن يمر ذكرك فيه مرور الكرام.

حينما نعود إلى غابر التاريخ، نكون أمام معطيات مغايرة، فالقوي حينها هو من امتلك السيف، ومن امتلك المصنع، وبعدها من امتلك الإعلام وغيرها من وسائل القوة المتعددة. بيد أن الأمر اختلف اليوم، فمن يمتلك البيانات الضخمة هو من صار يكتب التاريخ بمداد الذهب، عملا بمقولة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو : “من يمتلك المعرفة، يملك السيطرة”. وها نحن اليوم نرى أن من يمتلك الخوارزمية يتحكم في الاقتصاد والإعلام والسياسية وغيرها، بل ربما سنزعم القول بأنه يمتلك حتى “الحقيقة”.

من حقنا إذن أن نتسائل بجرأة: من يبرمج وعينا ؟ من يختار ما نراه على شاشاتنا، وما يحذف من ذاكرتنا؟ وهل من الواجب أن ندرس لأطفالنا كيف يفكر الذكاء الاصطناعي، أم نربيهم على الخوف من الآلة ومن الحرية معا؟

الجواب أراه في عدم تحجيم ولا تضخيم الحقيقة، فالذكاء الاصطناعي ليس إلهًا منزها، ولا رسولا مبشرا بالخلاص، بل ليس هو الخطر الحقيقي. الخطر الحقيقي أراه جاثما في زاوية واحدة، ألا وهي أن ندفع أجيالا بشرية بلا فكر، بلا نقد، بلا شك، وبلا أحلام، فهذا هو الخطر الحقيقي حقا!

Leave a Reply

Your email address will not be published.