أن تكون ثعلبا : الحياة حيلة
قيل في سالف الزمن أن بين الحيلة والخداع شعرة رفيعة، لكنها شعرة فلسفية عميقة الجذر، كيف ذلك ؟ خض معي غمار هذه الافتتاحية عزيزي القارىء، ولتزرع معي لبناتها حتى نفكك منظومة الحيل التي تبدو وكأنها تتقلب مع عالم متقلب، كوكب يدور بعجلة الأخبار العاجلة، والحيلة لم تعد فيه مذمة، ونحن لا نمدح ههنا حريفي الحيل، بل نفكك هذه الأداة التي صارت توازنا دقيقا بين منظومة الذكاء والبقاء. نغوص في مفهوم الحيلة كمنظومة وعي معقدة، لا يبدو ظاهرها كباطنها، فهي تجمع بين علم النفس، والفلسفة السياسية، والذكاء الاصطناعي، الذي جاء ليعيد تأطيرها كفضيلة ضرورية لا كعيب، وإلا ما تفسير امتلاك عديد الدول للقنبلة النووية؟ أهي حيلة؟ أم ذكاء؟ أم منظومة حيلة وذكاء تستجلب البقاء؟ المراوغة هي ديدن الثعلب، وهو تكتيك ناعم في الحياة، على لاعب كرة القدم، حتى ينجو بالفريق من هزيمة مذلة.
الحيلة منظومة واعية: بين الخديعة إلى الذكاء المركب
إن الحقيقة تتداخل من حيث حجم رواياتها، والنية تلتبس مع الشك، والحكمة في كثير من الأحيان يكتنفها الغموض، بيد أن تكون “مباشرا” في علاقاتك بالآخرين دوما، فقد يكون ذلك مكلفا. لقد تغيرت قواعد البقاء، فلم يعد مطلوبا أن تكون صادقا لتنجو، بل الذكي هو الذي يعرف متى وكيف يبدو صادقا! … [لا تخلط عزيزي القارئ بين الكذب والحيلة، فإذا كان الكذب ينجي، فإن الصدق أنجى]…
ميكيافيلي اختصر هذا المفهوم في عبارته الشهيرة :
“الحكيم يعرف متى يكون أسدًا، ومتى يكتفي بذكاء الثعلب.”
علم النفس: حين تصبح المراوغة تكتيكا بيولوجيا
أما في علم النفس الحديث الذي لا يشيطن الحيلة، بل يدرجها تحت ما يسمى “التحايل المعرفي”، أي قدرة الدماغ على بناء سيناريوهات مقنعة تضمن له على أنها ليست كذبا، بل سردا استباقيا للواقع حينما تتعقد مشاهده.
ماذا تقول السياسة أيضا؟
هناك مقولة سياسية تقول : “السياسة هي فن الممكن”، وهناك من أضاف : ”السياسة فن الممكن واللاممكن”، وهناك من قال ما يلي : “السياسة ليست فن الممكن، بل فن الممكن بدون أن تبدو ماكرة”. المهم فيما سبق هو أنها فن!
فلننظر إلى التحولات والتوازنات الدولية أو حتى الديمقراطيات الغربية والدول النامية أو المتخلفة اليوم…. النجاة لا تصنعها النوايا، بل القدرة على “التموضع دون انكشاف”، فحسن النوايا أو حسن النية – لا شك – في السياسة محفوفة بالأخطار.
هناك مساحات رمادية تتحرك فيها الحيلة، حين تقفل مساحات التعبير، وتظهر الحيلة بوصفها حينئذ شكلا من أشكال المقاومة. ولذلك نشهد هذه المساحات الرمادية اليوم في أشكال متعددة، من الدعابة السياسية، الإستعارة الأدبية، فن الكاريكاتير، وهي شكل من أشكل المراوغة… وتبدو – أحيانا – أكثر فاعلية من الصراخ والاحتجاج الصاخب الثوري. المقاومة في هذه الأشكال تبدو نوعا من المقاومة الحقيقية التي لا تبدو صاخبة، بل الأهم هي أن تستمر، وهذا هو بيت القصيد، تبديل الشكل من أجل استمرار الفعل.
!!الخوارزميات وثعلب المستقبل
في زمن الذكاء الاصطناعي، لم تعد الحيلة حكرا على بني البشر، فالخوازميات تمارسها اليوم ببرودة، انطلاقا من الحروب والتجسس والاقتصاد والسياسة والعلوم ومواقع التواصل والصحافة، لأنها تخفي نواياها الحقيقية رغم مزاياها، خلف واجهات أنيقة، وتصوغ واقع الأفراد الرقمي كما تشاء أو يُشاء لها، ثم تقنعك بأنك اخترت بحريتك!!!
إذن، فالخداع لم يعد بشريا فقط، إنه مبرمج الآن.
على المستوى الأخلاقي ماذا نحن فاعلون ؟
كتب دوستويفسكي حينا بأن الحيلة ليست خيانة بالضرورة، فقد تكون وسيلة لحماية الحقيقة من الابتذال، حيث قال:
“أحيانا تحتاج أن تكذب، لأن الحقيقة ليست جاهزة بعد.”
السؤال الحقيقي الذي أراد طرحه من وراء ذلك هو ليس : “هل تكذب؟” بل “لماذا تكذب، ولأجل من؟ وعلى من؟”… على أي، الساسة والقادة يكذبون طول الوقت وراء الشاشات، وأمام الملأ، وفي السر والعلن.
ففي عالم تحكمه أنظمة مرئية، وكثير منها غير مرئية، الحرية فيه، هي أن تكون غير قابل للتوقع، بعبارة العصر، غير منكشف رقميا، فهذا شكل من أشكال الحيلة الإيجابية، وجسر الانعتاق نحو الحرية.

Leave a Reply