أن ترى لمرة واحدة أكثر قيمة من أن تسمع مئات المرات – مثل أفريقي
منذ أن عزمت على السفر وطيلة فترة تهيئي له وانطلاقي إلى محطة الحافلة صبيحة اليوم الأول لسفري كان ينتابني بين حين وآخر شعور بأن عاملي: طول المسافة ووعورة التضاريس سيجعلاني مرهقا ومثقلا بالإعياء والعناء والانقباض وأنا في الحافلة لمسافة تصل إلى 490 كلم ولمدة عشر ساعات ونصف من الساعة 11h30 صباحا إلى الساعة 22h00 ليلا.
لكن وما أن اخترقنا شوارع مراكش في اتجاه الشرق للنفاد إلى الطريق الوطنية رقم: 9 الرابطة بينها وبين ورزازات في اتجاه الجزء الشرقي من الحوز، حتى بدأ ما كنت أحس به من شعور سلبي بالخوف من التعب والإرهاق يتبدد تدريجيا انطلاقا من مركز “أيت أورير” المحيط بالبساتين المخضرة.
فبدأت أستمتع وأنا من على مقعدي في الحافلة بكل ما تلحظه عيناي أمامي وعلى يميني ويساري وبكل انشراح واهتمام وإعجاب، وذلك أمر طبيعي لأنني في الطبيعة وخارج المجال الحضري. أترفه وانعم بجمال الطبيعة التضاريسية في أشكالها وتشكيلاتها وامتداداتها وعناصرها التفصيلية وأسعد وأبتهج بجمالية التجمعات العمرانية القروية والشبه حضرية بهندستها المعمارية وأشكالها وطبيعة معمارها وتنوعها واختلافها حسب المناطق وعلى امتداد طول الرحلة.
تلك الخصائص والسمات هي التي شدتني إلى التوثيق لرحلتي الميمونة وسفري كتابة ووصفا حسب ما رأت عيناي لأنها حولت طول الرحلة الكبير بكل صدق إلى متعة للناظر تصل في كثير من الأحيان إلى حد الانبهار. ولست أدري هل كان مصدر ذلك فقط من باب اهتماماتي التخصصية أو انه في الحقيقية هو من قبيل فوائد السفر ومزاياه المعرفية والعقلية والنفسية والاجتماعية والعاطفية الوجدانية.
مباشرة بعد الخروج من مركز ” أيت اورير ” الحضري بدأت الحافلة تطوي الكيلومترات في اتجاه الشرق على طريق تم تهيؤها حديثا بالعادة تعبيدها وتوسيعها حتى صارت على درجة عالية من الإتقان بين أشكال هضبية ترابية تمثل مقدمة السفوح الجبلية الشمالية الغربية للأطلس الكبير الأوسط. وكان امتدادها على جانب وادي “الزات ” وقبله وادي “أوريكا” و “غدات” روافد واد تانسيفت. وتدريجيا بدأ الارتفاع يزيد وصارت المناظر الجبلية الخلابة تتنوع وتثير الإعجاب وهي مخضرة بالغطاء النباتي .
كانت منطقة “توفليحت” أول مركز بين الجبال على طريقنا،ومنها عاد الارتفاع إلى الانتظام مما أتاح إمتاع العين وعلى مدى طول الرؤيا بسحر الجبال وسفوحها التي لبست لبوس الاخضرار خاصة على يسار الطريق ونضارة وببهاء التجمعات العمرانية البشرية المتناثرة فيها وفي أوديتها العميقة. وتخترق تلك السفوح والقرى طريق ملتوية يمينا أحيانا ويسارا أحيانا أخرى صاعدة ونازلة في امتدادها تقود إلى منطقة ” تلوات ” وقبائل ” كلاوة “.
بعد “توفليحت” اتجه مسار الطريق نحو الانحدار في اتجاه السفوح الجبلية السفلى ليمتد في وادي على شكل فج طويل عميق وضيق بمثابة ممر طبيعي امتد من مركز وسوق “زرقطن” مرورا بمركز “تزليدة” إلى منطقة “تدارت” حيث اصطفت الدكاكين والمقاهي والمطاعم في مجال ضيق تقدم خدامتها للمسافرين وعابري الطريق كمحطات استراحة وكمجال وأسواق لتبضع ساكنة القرى المجاورة.
ذلك الوادي العميق بطول تقريبيي يصل إلى 20 كلم هو الذي تكون السيول المائية المنحدرة من سفوح جبال تيشكا الشمالية الغربية حمولته كمنبع لواد “تانسيفت” الذي يتغذى مجراه بحمولة باقي روافده السالفة.
بعد مركز “تدارت” في قاع السلاسل الجبلية انطلق اتجاه الطريق متخذا شكل منعرجات تتسلق سفوح الجبال صعودا في اتجاه قمة “تزي نتشكا” الجبلية، وتغير المنظر الطبيعي من تضاريس مخضرة إلى سفوح عليا وقمم قاحلة إلا من أعشاب خضراء في بعض المنبسطات الجبلية التي تبقى هناك هي الملاذ الأوحد لقطعان الماشية. ومع ذلك كان لذلك التغيير التضاريسي وقع آخر على الرؤيا والملاحظة لسحنة
طبيعية أخرى تغرى الناظر بأشكال سفوحها وقممها وأوديتها. وعلى جنبات الطريق تلحظ باحات استراحة ومقاهي ومتاجر تعرض للسائح والمسافر منتجات الصناعة التقليدية المحلية.
رغم الصعود الحاد في الطريق نحو “تيشكا” وكثرة منعرجاتها وشدة انحرافاتها فإن ما أنجز فيها من أشغال من جهة وحداثة الحافلة من جهة أخرى جعلت الشعور بصعوباتها محدودا، ذلك أننا بلغنا وبكل راحة قمة “تزي نتشكا” وتعني باللغة العربية “ممر المراعي الجبلية” وهي أعلى قمة في جبال الأطلس الكبير الأوسط بارتفاع يبلغ 2300م (بعد قمة جبل مكون البالغ ارتفاعها 4071 م في الأطلس الكبير الأوسط وقمة طوبقال بارتفاع4167 م في الأطلس الكبير الغربي).
وبعد “تيشكا” التي اخترقتها الطريق الوطنية رقم 9 سار الانحدار تدريجيا في السفوح الجنوبية الشرقية للأطلس الكبير الاوسط. وراح المنظر الطبوغرافي والانشطة البشرية يتغيران عما هما عليه في السفوح الشمالية الغربية وفي أودية عرضه الكبير البالغ حوالي 70 كلم. فمن منطقة “أكلموس” أول مركز بعد قمة تيشكا مرورا بمركز “إغرم نوكدال” ثم “أكوييم” كان المشهد التضاريسي عبارة عن سفوح متوسطة الارتفاع تدرجت إلى السفوح السفلى بتربة حمراء وتخترقتها مجموعة من الأودية التي تحمل السيول الجبلية وتكون واد “تيشكا”. وشيئا فشيئا بدأت تظهر الجوانب الغربية لهضاب ورزازات المزينة طبيعيا بمجموعة من التلال الرائعة في أشكال انتصابها وفي ألوان تربتها المائلة أحيانا إلى البياض وأحيانا أخرى إلى الحمرة، يتوسطها مجرى واد “تيشكا” الذي يزداد عرض مجراه في اتجاه الشرق وتلتقي به روافد من الغرب مثل “تمشطسنت” “إيميني” “إريري” و “فنت” ومن جهة الشمال روافد أودية: “أفليلت” و”الرباط” و”المالح” المنحدرة من شرق تيزي نتشكا. وعلى ضفتي الوادي العريض الذي كلما اقترب من مدينة ورزازات الا ويحمل اسمها (واد ورزازات) التي يخترقها من الغرب الى الشرق.
يتسم مجراه على بعد 30 كلم غرب المدينة باتساع مجراه العرضي وقلة عمقه لأنه يخترق وسطا منبسطا مما وفر ظروف الإرساب وبالتالي تكون مجالات خصبة على ضفافه شغلتها مختلف المغارس والأنشطة الزراعية لساكنة القرى المحيطة به.
ذلك الوادي وبكل روافده الغربية والشمالية هو الرافد الأساسي الغربي لوادي درعه، يصب في سد المنصور الذهبي جنوب ورزازات. حيث تلتقي حمولته مع حمولة وادي دادس ورافده وادي “مكون” المنحدرين من جبال الأجزاء الشرقية للأطلس الكبير الأوسط.
تنتشر وبكثافة حقول خضراء وقرى على جنبات الطريق بين “تيشكا” و ورزازات تزيد من جمالية المنظر الطبيعي بأنواع أخرى من مواد البناء وبهندسة معمارية وأشكال مختلفة عن نظيراتها في الجهة الشمالية الغربية للأطلس الكبير. فباستثناء السفوح الجنوبية الشرقية للأطلس الكبير حيث العمارة مازالت بالحجارة والطين الأحمر بدت ومن غرب هضبة ورزازات مورفولوجية المعمار تتخذ شكل وخصائص المعمار الصحراوي حيث يعتبر الطين مادته الأساس ومقومه الكبير مع جذوع النخيل.
وسط ذلكم الوسط الطبيعي تنتصب مدينة ورزازات التي تحولت إلى ثالث أضلاع المثلث السياحي بالمغرب بعد مراكش واكادير. تستقبل زائريها في هوامشها الغربية وبين أحضان هضابها بمعالم تاريخية بهية لعل أكبرها قصبة “أيت بن حدو” ومن قبلها قرية “تلوات” الكلاوية غرب ذاك المجال الهضبي وبين سفوح الجبال، وعلى جوانب الطريق تبدو دواوير متتابعة و مراكز كان أهمها “أمرزكان” الذي تنطلق وتتفرع منه الطريق المؤدية إلى سوس وعاصمتها اكادير في اتجاه الجنوب والجنوب الغربي وعبر “تازناخت” و”تالوين و “أولوز” و “تارودانت”.
وفي مدخلها الغربي بنيت مقرات الاستوديوهات السنيمائية لتي تحولت بفضلها إلى إحدى عواصم السينما العالمية، ووسط المدينة تعلو القصور والقصبات ومنها قصبة “تاوريرت”.
انتقلت المدينة من مجرد مركز عسكري في الفترة الاستعمارية إلى مدينة عصرية استثمرت في أصالتها وتراثها المادي واللامادي وأضحت ثاني أكبر مند جهة درعه تافيلالت، تتميز بنظافتها وحداثة ورونق شوارعها.
وزادت القيمة المضافة لمكانة ورزازات بأهمية بحيرة سد “المنصور الذهبي” في جنوبها وبمركز نور العالمي لإنتاج الطاقة الشمسية في شمالها.
ومن بحيرة سد المنصورالذهبي يبدأ المجرى العلوي لواد درعة برافديه الكبيرين: من الغرب واد ورزازات ومن الشمال الشرقي واد دادس ، وسار مجراه في اتجاه الجنوب إلى مركز “أكدز” عبر سفوح وأودية “أفلا ندرا” وهي منطقة تمثل الأجزاء الغربية لسلسلة جبال “صاغرو”.
من ورزازات في اتجاه مدينة زاكورة كان مسار الطريق في اتجاه الجنوب. وبمجرد اجتيازنا لهوامش موقع المدينة الهضبي سارت الحافلة تتسلق سفوح جبال “أيت ساون” الشامخة القديمة والوعرة وهي جزء من الاطلس الصغير الشرقي إلى أن بلغنا سفوحها العليا التي تبدو منها في الأعلى قممها المسطحة والعارية وفي الأسفل أودية صخرية عميقة. وتدريجيا اخذ الانحدار عبر منعرجات شبيهة بأشكال االتواءاتها الجيولوجية نحو السفوح الوسطى ثم السفلى حيث تقع مدينة “أكدز” جنوب جبال”أيت ساون” ويعلوها جبل “كيسان، على بعد 65 كلم من ورزازات و 92 كلم من زاكورة، وفيها يتضح مخرج واد درعة من مجاريه الجبلية إلى مجال منبسط ملتقيا مع روافده الجديدة النابعة غربا من جبال الأطلس الصغير مثل واد “تتسيفل” وتقع المدينة على ضفافه العليا ومنها تبدأ واحة درعه الكبيرة.
يعني إسم “أكدز” مكان الراحة على طريق القوافل التي كانت تربط تمبكتو،توات وتندوف بمراكش في العصرين الوسيط والحديث. في الفترة الاستعمارية كانت مركزا عسكريا كبيرا للتحكم في قبائل الجنوب الشرقي لواحة درعه.
تطور “أكدز” كثيرا عما كان عليه قبل 38 سنة حيث كنت أعبره في إيابي وذهابي من والى زاكورة. منتقلا من سوق أسبوعي ومركز مراقبة عسكرية إلى مدينة جديدة بشوارعها وفضاءاتها وبنيتها الطرقية التي جعلتها تنفتح غربا على سوس عبر “تازناخت” وشرقا على تنغير وتافلالت عبر “تزارين ونقوب” وجنوبا على زاكورة وباقي درعه وشمالا على ورزازات.
ولموقع “أكدز” نضارة خاصة تتناسق فيه روعة وفسيفساء المناظر الجبلية شمالا وغربا وأشجار النخيل والحقول المخضرة في واحته، ووضاءة معماره الذي تمثل واحة “مزكيطة” أكبر تجلياته.
وفضلا عن أنشطة الفلاحة الواحية لساكنته البشرية تمثل السياحة قطاعا هاما للمدينة ولإقليم زاكورة الذي تنتمي إليه. من أهم معالمه السياحية: قصبة “تامنوكالت” وعديد من القصبات العريقة التي تستغل كدور للسياحة. وقصبة “القائدعلي” آخر القواد الدرعيين قبل هيمنة القائد الكلاوي على المنطقة. ومعتقل “أكدز” السري المعروف ب “لحد” الذي قاسى فيه المعتقلون السياسييون كل ألوان التعذيب في سنوات القمع والجمر والرصاص على غرار معتقلي “تزمامرت” في الراسيدية ومعتقل قلعة مكونة. وهو الآن فضاء معماري تراثي وثقافي وقع تثمين أدواره كذاكرة للمنطقة.
على طول الطريق سواء بين مراكش و ورزازات او بين ورزازت وزاكرة أو بين زاكورة ومحاميد الغزلان اكتست الطبيعة حلة بداية الاخضرار بفعل التساقطات الغزيرة التي شهدها الجنوب الشرقي أواخر الصيف وبداية الخريف فازداد اخضرار الغطاء النباتي وانبثت التربة مختلف الإعشاب وكأن الناظر تترائي له بدايات فصل الربيع.
وككل الأسفار والرحلات التي تقطع مسافات طويلة وتستغرق وقتا كبيرا نشأت بين المسافرين علاقات ودردشات وحوارات. كما هو الشأن بالنسبة لي مع المحيطين بي في الحافلة ذكورا وإناثا حتى صرنا كجماعة صغيرة، ومن حسن حظي أن الجالس جنبي وأغلب المحيطين بي كانوا يقصدون زاكورة و”تاكنيت” ومن أبناء المنطقتين الشيء الذي زاد من إزاحة هم طول الرحلة عني وحيدا.
من “أكدز” في اتجاه زاكورة كان مجرى واد درعة على يسار الطريق موازيا لها قريبا منها أحيانا وغير بعيد عنها أحيانا أخرى وتبدو واحة درعه الخضراء بأشجار نخيلها وباقي مغارس حقولها وزراعاتها المعاشية على كلا ضفتي الوادي المتجه جهة الجنوب بمجرى عريض لأنه يسلك مجالا طبوغرافيا يصير ليظهر بمظهر هضبة صحراوية ( حمادة درعه) وهي عبارة عن تضاريس صحراوية صخرية مغطاة بالصخور والحصى والأحجار نتيجة التعرية الريحية. ويزين جنبات الطريق وأفق مرأى العين معمار محلي من بنايات متلاصقة على شكل قصور وقصبات بمعناهما الصحراوي ،وفي الحقول تلوح ممرات وسواقي. وتحيط بتلك المناظر الطبيعية والعمرانية جبال من الغرب والشرق فأستمر المنظر هكذا باستثناء مراكز حضرية حديثة تتخلل العمران التقليدي المتتالي أكبرها مركز”تنسيخت” و “تنزولين” وعدد كبير من القرى والدواوير آخرها عند مدخل زاكورة هو “أسرير”. وعلى مشارف زاكورة تزيد مساحة مجال حمادة درعه ويبدو فضاء واحته فسيحا.
ما أن دخلت الحافلة إلى مدينة زاكورة حتى تسارعت في ذاكرتي ذكريات مقامي بها لمدة ثلاث سنوات قبل 31 سنة في أول مرحلة من مساري المهني ما بين 1983 و 1986 وكنت قد زرتها قبل سنتين مع زوجتي.
أضحت المدينة بعدما كانت عبارة عن شارع واحد حاضرة حديثة منذ أن صارت إقليما ومقرا للعمالة. تعبدت أحياؤها وتطورت شوارعها القديمة وانضافت إليها أحياء جديدة وشوارع فرعية. وتعززت مكانتها السياحية ببنيات فندقية من مختلف الأصناف. هي المدينة التي تعرف ب “تازاكورت” أو “واو زاكور” قديمة في تاريخها وتعميرها البشري كمحور وملتقى وسوق للتجارة القفلية بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء. وهي منطلق الحركة السعدية في بداياتها من مركز “تاكمدارت” قريبا من واد درعة الذي يخترقها ويمثل شريان حياة ساكنتها.كما تمثل ثاني أقطاب السياحة في إقليم ورزازات بمعالمها الطبيعية (واد درعة – الواحات ) والعمرانية من قصور وقصبات ومنها قصر “أمزرو” وتراث ساكنتها الثقافي والاجتماعي. ومن المخارج الشرقية للمدينة ينحرف مجرى واد درعه ليمتد على يمين الطريق المؤدية إلى محاميد الغزلان في اتجاه جنوبي شرقي إلى شرق مركز “تامكروت” ليعود مجراه إلى يسار الطريق ملتقيا مع واد “الفيجاء” آخر روافده في درعة الوسطى ويتخذ اتجاه الشرق والجنوب الشرقي مارا شرق “محاميد الغزلان” في اتجاه الكتبان الرملية للصحراء الجنوبية الشرقية بمجرى أوسع وعلى طول اكبر من طول مجراه من سد المنصور الذهبي إلى محاميد الغزلان ويتيه في رمالها التي تضيع بينها حمولته تحت تأثير انبساط العروق الصحراوية وقلة درجة الانحدار ولا تصل إلى مصبه شمال مدينة طانطان سوى في الفترات الأغزر مطرا، ويعتبر واديي “طاطا” و “تمنارت” في درعة السفلى آخر روافده الكبيرة.
ذلك هو واد ووادي درعة أهم مجاري المياه السطحية الموسمية بالمغرب وأكبرها طولا بامتداد يبلغ 1200 كلم ما يساوي طول المسافة بين مدينتي اكادير والداخلة. وهو شريان الحياة في جزء واسع من جنوب شرق المغرب. يعبر تراب ستة أقاليم: تنغير – ورزازات – زاكورة – طاطا – أسا الزاك – وطان طان مخترقا ثلاث جهات ترابية: جهة درعة تافيلالت – جهة سوس ماسة – جهة كلميم واد نون.
يتغدى من حمولة روافده المنحدرة من السفوح الجنوبية الشرقية للأطلس الكبير الأوسط ومن سفوح جبال صغرو في الأطلس الصغير الشرقي وجبل سيروا وجبال باني في الأطلس الصغير الغربي
ويشغل حوضه مساحة واسعة تبلغ حوالي 100000 كلم مربع مقسمة إلى ثلاثة أقسام:
– درعة العليا: من سد المنصور الذهبي إلى “أكدز” على مسافة 50 كلم على شكل أودية ضيقة ومنحوتة في سفوح جبال الأطلس الصغير.
– درعة الوسطى: من “أكدز” إلى “محاميد الغزلان” وهو الذي يمثل النسبة الأكبر من واحته والأكثر أهمية في الاستغلال البشري وبالتالي الأكثر كثافة سكانية.
– درعة السفلى: من “محاميد الغزلان” إلى مصبه في المحيط الأطلسي. وهو الأكثر فقرا.
بشريا: اتسم الأطلس الكبير والأطلس الصغير وحوض درعة مجال الرحلة بقدم التعمير والاستقرار البشري ،يشكل فيه العنصر الامازيغي الأصلي النسبة الأكبر والذي تجاذبت أمازيغيته اللهجة الزيانية (تمازيغت) في الشرق واللهجة السوسية (تشلحيت) في الوسط والغرب.
هنا عاش الامازيغ في تناغم مع العنصر العربي الممثل في مجموعة من القبائل الناطقة بالعربية. وكان انسجام العنصرين فريدا بحيث تجد في القبيلة الواحدة عربا وأمازيغ معا.
وتحكمت في تلك الازدواجية الاثنية لساكنة المنطقة عوامل تاريخية تتجلى في العلاقات بين المستقرين والرحل. فالأمازيغ هم السكان الأصلييون القديمي الاستقرار بينما كان العنصر العربي يطغى عليه طابع الترحال. وبفعل تحولات اقتصادية ومناخية في العصور والحقب التاريخية أتجه إلى الاستقرار.
وبين “زاكورة” و “محاميد الغزلان” يتموقع مركزان شبه حضريان على الطريق الوطنية رقم 9 ووسط منبسطين واسعين أٌقرب في طبوغرافيتهما الى السهل أكثر من الشكل الهضبي.
– “تامكروت” على بعد حوالي 20 كلم من زاكورة شرقا والمشهورة بفخارها وتصوفها كمركز للزاوية الناصرية.
– “تاكونيت” أكبر عمرانا من تامكروت. كنت أظن أن أصل تسميتها تلك هو وقوعها مباشرة إلى الشرق من ممرات بين سلاسل جبلية تسمى بالامازيغية “إكنان- ومفردها أكني” غير أن بعض مرافقي في الحافلة من المسافرين أبناء المنطقة أفادوني وصححوا لي أصل التسمية بقولهم أن مصدرها هو بئر قديمة في مجالها يروي الساكنة والقوافل ويقصدها الناس وكان استخراج المياه منها يتم بالطريقة التقليدية المعروفة في أمازيغية أهل المكان ب ” تكنينن” وتعني في العربية تقنية “الشادوف” وتدريجيا ومع الزمن حرفت الكلمة إلى “تكنيت”
وعلى بعد 25 كلم شرقها تقع “محاميد الغزلان” مقصدي في سفري ورحلتي والمحطة الأخيرة للحافلة التي أقلتنا على اعتبار أن مركز المحاميد هو أخر نقطة للطريق المعبدة. كان وصولنا اليها على الساعة 10 ليلا.
بسبب حلول الظلام بين زاكورة و محاميد الغزلان تقلصت حدود الرؤية مما عاق استكمال تفاصيل المناظر التي تزخر بها منطقتي “تامكروت” و”تاكنيت” ومدخل محاميد الغزلان.
لم يبق في الحافلة بعد محطة زاكورة سوى قاصدي تمكروت و تاكنيت و محاميد الغزلان.وفي تكنيت وبينما كان أهاليها يستعدون للنزول بعدما صعد مستقبليهم من أهاليهم إلى الحافلة إذا بنساء وفتيات يقترحن علي وبفرح وإلحاح أن يضيفوني مع عائلاتهم حتى الصباح الموالي وكذلك فعل الشاب الذي كان بجنبي، ولم املك تجاه إصرارهم سوى أن شكرت لهم ولأهاليهم المستقبلين لهم جميل صنيعهم وكرمهم ودماثة أخلاقهم. ولم أستغرب منهم ذلك الموقف وتلك الالتفاتة لأنني عايشت ولمدة ثلاث سنوات أهل درعه الأخيار الكرام. ولم يشفع لي تجاه عزمهم إلا اعتذاري بكون ابني في انتظاري بمحاميد الغزلان.
وبما أني لم أر بوضوح ولم ألحظ بعين المغرم بالطبيعة مجال مسافة 92 كلم الرابطة بين زاكورة ومحاميد الغزلان فقد قررت بعد يوم من الراحة العودة إلى زاكورة نهارا حتى تتاح لي إمكانية استكشاف ما حال ظلام يوم السفر دون ملاحظته ورؤيته. وتعززت ملاحظاتي أكثر عن ذلك الوسط الصحراوي إبان عودتي من سفري بعد ثلاث ليال من الراحة والهدوء والسكينة في فندق عند مدخل مركز محاميد الغزلان رفهت فيه عن نفسي وعقلي ونفضت فيه تعب روتين الحياة ومشاق السفر.
وأتاحت لي الليلة الرابعة التي أضفتها في زاكورة فرصة زيارة أصدقائي الدرعيين القدماء والترحم على المتوفين منهم، وفي نفس الوقت التجول في المدينة وشراء ثمور درعه اللذيذة والتسوق من سوقها النموذجي (الأربعاء) الذي كان جناح الثمر أهم فضاءاته.
وكانت لي تلك الرحلة فضلا عن صلة الرحم مع ابني زياد العامل في أحد المشاريع التجهيزية بالمنطقة على مشارف المحاميد فرصة للاستجمام ولراحة البال.
من خلال ملاحظتي للمجال الممتد من زاكورة إلى محاميد الغزلان كون عنه الوصف الآتي:
– من المشارف الشرقية لزاكورة غربا إلى شرق مركز تاكونيت كل السطح التضاريسي عبارة عن سهل صحراوي واسع ومنبسط سطحه مغطى بطبقة من التربة الطينية والرملية كفتاة صخري وهي على درجة هامة من الخصوبة لكنها تعاني من قلة المياه السطحية نتيجة جفاف المناخ ومن ملوحة المياه الجوفية. ومع ذلك تتناثر قي أرجائه أشجار الطلح المتباعدة كغطاء نباتي وحيد وبعض الحقول المسقية المعاشية. وتسمى هذه الأنواع من التضاريس الصحراوية ب “الرق” بمعنى السهل الصحراوي، ويمكن أن يكون ذلك الاسم أصل الكلمة الامازيغية “الرك”. تحيط بتلك الرقوق سلاسل جبلية بارتفاعات قليلة وقمم مسطحة مما يعني قديم تكوينها الجيولوجي، وهي أجزاء من جبال “باني” المنتمية إلى الأطلس الصغير. تتوسط تمكروت على بعد 20 كلم وتكونيت على بعد 50 كلم من زاكورة وقبائلهما ذلك “الرق” الواسع، تفصل بينهما جبال أقل ارتفاعا ممتدة بشكل شبه عمودي عبرتها الطريق أحيانا صعودا ونزلا وأحيانا بين أوديتها.
– وبنفس الخصائص تفصل جبال أخرى بين تاكونيت ومحاميد الغزلان.غير أن الجديد إلى الشرق منها هو كون السطح التضاريسي المنبسط في اتجاه محاميد الغزلان تغلب عليه التربة الرملية
ويظهر بمظهر الكتبان الرملية المختلفة الأحجام والأشكال والامتداد تسمى “العروق”وهي النوع الثالث من أنواع التضاريس الصحراوية بعد “الحمادات” و “الرقوق أو الرقاق”. وذلك هو المنظر الطوبغرافي لمحاميد الغزلان وباقي جنوبه وجنوبه الشرقي.
مركز محاميد الغزلان الذي سبق أن زرته 1984 في سياق خرجات سياحية ترفيهية لما كنت أستاذا بزاكورة ويومها كان مقفرا على شكل سوق تجاري من دكاكين طينية تعلو سقوفها أكوام من الرمال حتى ليتخيل للناظر والسائر عليها أنه يسير على الكثبان الرملية. ومركز عسكري حدودي لحماية الحدود المغربية مع الجزائر التي لا تبعد عنه الا ببضع عشرات الكيلومترات.وأتذكر بقايا دبابتين للجزائر من مخلفات انهزامها أمام القوات المغربية في حرب الرمال سنة 1963 التقطنا جنبها صورا تذكارية.
طال حاليا المركز تحديث نسبي وتوسع عمراني وبدايات أولية للبنيات التحتية الطرقية والخدماتية الاجتماعية منها والصحية والتعليمية والإدارية. وهي جماعة ترابية قروية. ترتبط بالسياحة بأنواعها الصحية والرياضية والترفيهية مستفيدة من غناها بالكثبان الرملية. تنتشر فيها مختلف السيارات الرباعية الدفع المستخدمة في النقل عبر الرمال سواء للسائحين أو للمرشدين السياحيين وهم بفوقياتهم وعمائمهم الزرقاء. تتجلى بنيتها التحتية للإقامات السياحية في خيام بالصحراء وفي الهواء الطلق وبيوت طينية مختصة ومجموعة من القصبات والقصور الواقعة في مدخلها مثل “بوانو” وقصر “أولا ادريس” بهندسة معمارية ونقوش صحراوية . وتقع محاولات تثمين مؤهلاتها السياحية بإقامة مهرجان الرحل في نهاية شهر أكتوبر من كل سنة وموسمها السياحي يبدأ من أكتوبر إلى شهر مارس أي شهور الاعتدال المناخي وقبل حلول القيض الصيفي. وتضاف إلى تلك الأهمية توفرها على مؤهلات بيئية حيث تتوفر على محميات لتربية الغزلان والنعام والحجل والحبار. سكانها عرب صحراويين وبعض العنصر الامازيغي.
إلا إن الموقع الجيواستراتيجي لمحاميد الغزلان الذي أكتسبه بحكم البعد الحدودي يتطلب إبلاءه اهتماما وعناية أكبر في برامج تنميته. فقد كان من أوائل المناطق التي زارها الملك محمد الخامس سنة 1958 مباشرة بعد سنتين من استقلال المغرب.
ذلك هي درعه الشامخ بموقعه الاستراتيجي وطبيعته وتاريخه وبشريان حياته وظروفه البشرية.
ولا يفوتني وأنا اختم وصف مجاله الذي غطته رحلتي أن أشير إلى أن كل ما شاهدته وانبهرت واستمتعت به من بيئة طبيعية وعمرانية وبشرية عبارة عن معالم في غاية الأهمية في جزء من المغرب العميق المغرب الحقيقي الأصيل في جنوب شرق المغرب.
واخص بالذكر منها المعالم التالية:
1- المناظر الطبوغرافية والجيولوجية للسلاسل الجبلية الحديثة كما في الأطلس الكبير والقديمة في الأطلس الصغير بقممها وسفوحها وأوديتها والغطاء النباتي الذي يكسوها.
2- المناظر الخلابة على امتداد الطريق التي أعيدت تهيئتها حديثا بمنعرجاتها والتواءاتها ورونق المراكز بمحاذاة جوانبها.
3- الهندسة المعمارية المتنوعة والفريدة والمختلفة مابين عمارة الأطلس الكبير الأوسط وعمارة واحة درعة بقصورها وقصباتها التي لا ينغص من جمالها ولا يشوه مورفولوجيتها سوى المعمار العصري الذي صار مبثوثا فيها كالطفيليات.
4- قصبة أيت بنحدو غرب ورزازات. وقصبة تاوريرت وسط المدينة. ومعتقل أكدز التاريخي.
5- بناية الزاوية الناصرية بتمكروت ومكتبتها النفيسة.
6- أطلال تكمدرات منطلق حركة الأسرة السعدية بزاكورة.
7- بهاء مجرى واد درعة على طوله خاصة في واحة زاكورة الفسيحة وهما معا يسحران العين. وواحة “مزكيطا” حيث قصبة “تمنوكالت” على الضفة اليسرى لدرعة.
8- الحامة الرملية في منطقة “تنفو” شرق تمكروت كمركز استجماع لمرضى الروماتزم والمزودة بفندقين جنب التلال الرملية.
9- كثافة وتنوع تشكيلات الكتبان الرملية في محاميد الغزلان.
10- الطبيعة البشرية الخلاقة في الدرعيين ذوي الشيم النبيلة والأخلاق السامية والكرم الفياض.
11- حصون وقلاع وقصور وقصبات شيدت في أزمنة قديمة على ضفاف درعه وواحات النخيل وسط بيئة صحراوية جافة . والقصور هناك عبارة عن قرية أو تجمع سكاني كثيف تراصت فيه البيوت مكونة أزقة صغيرة وملتوية. وداخل القصر تقع القصبة كمقر للأعيان والرؤساء. والكل مبني بالطين والخشب وتمتاز بثقوبها وأبراجها العالية ولونها الترابي المائل إلى الحمرة وبتصميم هندسي يراعى ظروف البيئة المحلية. وتستغل الحصون للسكن والاحتماء من الغزاة. لكن معظم الساكنة تتجه حاليا إلى السكن المنعزل وبالبناء العصري.
ينطوي السفر على دور بالغ الأهمية في تطوير الإنسان على المستويين الشخصي والاجتماعي لأنه يكسب الفرد معرفة أعمق وتوسيعا لمداركه وتعزيز قدراته على التواصل. ويسهم في بناء ذكريات لا تنسى وتحسين نظرة الإنسان للحياة من خلال التجارب الفريدة التي يخوضها.
ومقولة أن ” للسفر سبع فوائد” من أشهر ما قيل عن الرحلات والأسفار وفوائدهما.
فبفضل السفر تكتسب المهارات الحياتية وتتعزز الصحة النفسية والجسدسة وينمو الذكاء العاطفي الوجداني ويتحسن أسلوب الحياة، ويثرى الفكر والتعبير ويتقوى الشعور بالاستقلالية والثقة.
جدوى كل مظاهر أهمية وفوائد السفر تلك،تجسد لي في رحلتي من الحوز الى درعة لان كل تجلياتها ونتائجها كانت لنفسيتي وجسدي وعقلي ووجداني بمثابة طاقة هائلة إضافية دعمت تنشيط قدراتي الحياتية.

Leave a Reply